تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقد خرجا من مكة أول ربيع الأول (في يونيه سنة 622م) حيث يشتد الحر وتتوهج الصحراء، وكانا يعرجان على من يلقيان من الأعراب يتزودان بالمأكل والمشرب بمالهما.

وكان لهما على طول الطريق ذكريات وأحاديث وآمال. لقد كان موقفه من قريش كما قال القائل:

ثوى في قريش بضع عشرة حجة

يذكر لو يلقى صديقا مواتيا

ثم يكون آخر الأمر تآمر على قتله وإخراجه وأتباعه من الديار بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله، ومرت في ذهنهما الحوادث من بدء الوحي إلى وقتهما هذا، ولو أثيرت عند غيره لأثارت الحفيظة والمقت، ولكنه النبي الذي ما كان يزيد في أشد الأوقات حرجا على قوله: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون». وانقطعت ذكريات مكة وأحاديث مكة، وقفز الذهن إلى يثرب وأهلها ومستقبلها ومشاكلها. إن بها اليهود فما هم صانعون؟ وإن بين أهلها خصومات، فكيف تستأصل؟ وإن الحالة الاقتصادية فيها سيئة، فكيف تتسع لمن هاجر إليها من قريش؟ وإن أرضها موبوءة لم يتعودها المكيون، فكيف تعالج؟ وأول كل شيء وقبل كل شيء ما مصير الدعوة؟ ويجيب النبي قلبه: «لقد وعد الله - ووعده الحق - أن يتم نوره ولو كره المشركون». •••

هذا هو النبي

صلى الله عليه وسلم

يدخل يثرب، وهاهم أشرافها يتسابق كل منهم أن يجوز الفخر بنزوله عنده، وهذا مسجده يقام، وهاهو الأذان يشرع فيجلجل صوت بلال في المدينة، وهاهم أهل المدينة يدخلون في الإسلام أفواجا، بنسائهم وذراريهم، وهاهو رسول الله يؤاخي بين المهاجرين والأنصار، فيكون منهم وحدة متماسكة على أساس التعاون في الخير، ونصرة الحق، واحتمال الأذى في سبيل الدعوة إلى الله. وهذه المشاكل كلها تحل، فتحل مشكلة اليهود ومشكلة الفقر ومشكلة الوباء، ويصبح أهل المدينة أنصارا، يحمون الدعوة، ويحققون ما عاهدوا رسول الله عليه، فيكون منهم ومن المهاجرين قوة ليس ما يدانيها في جزيرة العرب كلها؛ قوة إيمان تدعمها قوة سلاح، فتنتشر الدعوة، وتفد الوفود معلنة إيمانها، وتفتح مكة، وتدخل قريش فيما دخل فيه غيرهم، بعد أن فلت شوكتهم، وضعفت قوتهم، ويعم الإسلام جزيرة العرب، ويتلو رسول الله:

إذا جاء نصر الله والفتح * ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا * فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا .

ويقف على باب الكعبة بالقرب من دار الندوة، حيث تآمرت قريش على قتله منذ ثمان سنوات، فيقول: «لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، يا أهل مكة! ما ترون أني فاعل بكم؟» قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم، فيقول: «اذهبوا فأنتم الطلقاء». لا يحمل حقدا ولا ضغينة، ولا يريد انتقاما، إنما يريد أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن تكون كلمة الذين كفروا السفلى، وقد كان كل ذلك، فلا غضب ولا انتقام، وتدوي جزيرة العرب كلها بلا إله إلا الله محمد رسول الله. •••

ذهبت أيام وجاءت أيام، وتولى عمر بن الخطاب، ومضى على خلافته سنوات والعرب تؤرخ بالأحداث العظام، فيقولون: حدث ذلك عام الفيل، وولد فلان بعد عام الفجار بسنة، وهي أحداث لا تتفق وعظمة الإسلام، ولا تصلح أن تكون تاريخ أمة عظمت فتوحها، ومست الحاجة لضبط شئونها وأعمالها؛ فيجمع عمر بعض الصحابة يستشيرهم: أي الأحداث أولى أن يكون مبدأ التاريخ الإسلامي، أولادة النبي

صلى الله عليه وسلم

أم وفاته أم نزول الوحي في غار حراء؟ ويقترح «علي» أن يكون الهجرة، فهي مبدأ نجاح الدعوة وانتشار الإسلام ومحق الشرك، فكان كما قال، وكانت الهجرة في الربيع الأول، وكان هذا التشاور في السنة السابعة عشرة، فأضافوا الأشهر السابقة على ربيع حتى يبدءوا بما اعتادوا به بدء السنة وهو المحرم، وجرى الأمر على ذلك. •••

ثم تتابعت السنون، وتتابع هلال المحرم على المسلمين، بالسعود مرة، وبالنحس أخرى، وبالنعيم أحيانا، وبالبؤس أحيانا ورآهم في عزهم، ورآهم في ذلهم، ورآهم سادة، ورآهم عبيدا، ورآهم يستيقظون وينامون ولكن لا يموتون، وتتوالى عليهم الكوارث التي تبلي الحديد ولكن لا يبلون، وتتعاقب عليهم سنو الضعف حتى يشفوا على الموت ثم يشفون، وحتى يندمج فيهم من عادهم، وينصرهم من ناوأهم، ويدخل في دينهم من حاربهم لدينهم، وييأس من تنصيرهم من حاول تنصيرهم، ومن تجريدهم من عزهم من حاول أن يسلبهم عزتهم؛ فكانوا كالمطاط يضغطون فلا يتشكلون إلا ريثما ينفرون ثم يستردون مكانتهم، ويعودون إلى عزتهم.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٠٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٠٤