هذا هو الموقف، وهذه هي مسألة اليوم.
فما الرأي؟
وقف أبو البختري بن هشام فقال: «احبسوه في الحديد، وأغلقوا عليه بابا، ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين قبله، زهير والنابغة ومن مضى منهم، حتى يصيبه ما أصابهم».
عورض هذا الرأي ورد عليه راد فقال: لئن حبستموه ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينزعوه من أيديكم، ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي!
واقتنع المجلس بفساد هذا الحل.
فوقف أبو الأسود ربيعة بن عامر، وقال: الرأي عندي أن نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا خرج عنا فوالله ما ندري أين ذهب ولا حيث وقع، إذا غاب عنا وفرغنا منه أصلحنا أمرنا وألفتنا كما كنت.
قوبل هذا الرأي باستخفاف لاذع لظهور سخفه، ورحم أحد الحاضرين قائله فرد عليه: «ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به؟ والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم بهم في بلادكم، فيأخذوا أمركم من أيديكم، ثم يفعل بكم ما أراد».
اقتنع المجلس - وكان من قبل مقتنعا - بفساد الرأي.
فقام أبو الحكم بن هشام، وقال: «والله إن لي فيه رأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد، أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا، فلم يقدر بنو عبد مناف - رهط محمد - على حرب قومهم جميعا، فرضوا منا بالعقل، فعقلناه لهم».
خلب هذا الرأي لب المجلس وارتضوه وتواصوا بسريته حتى ينفذ، وختمت الجلسة. •••
أبلغ النبي ذلك ونزل عليه:
وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين .
وكان أبو بكر يتهيأ للهجرة إلى المدينة كما خرج غيره من قبل، والرسول يأمره بالانتظار حتى يخرج معه، فلما عزم الأمر أعدت العدة وأحكمت الخطة.
لئن خرجنا ظاهرين لتتعقبنا قريش، ولا بد أن يلحقونا فيرجعونا ويؤذونا، فنلجأ إلى جبل ثور (على مسافة ساعة من مكة) ولنختف في غار فيه، ولنعف الأثر حتى لا يعرف مكاننا أحد. •••
لقد كانت أياما شديدة حقا، ثلاث عشرة سنة على النبي
صلى الله عليه وسلم
في جهاد متصل، ودعوة مستمرة، وطلب واضح أن يعدلوا عن عبادة الأصنام التي لا تنفع أحدا ولا تضر أحدا، إلى عبادة الله الذي بيده النفع والضر. ثم لا يظفر من قومه بعد كل ذلك إلا بهذا العدد القليل من المسلمين، ثم هم لا يتركونه ودعوته، ولا يكتفون بالصد عنها وعنه، بل يعذبون أصحابه أشد العذاب، وأخيرا يقررون قتله فيضطرونه إلى الخروج من بينهم سرا.
ما أشدها ساعة يفارق فيها أهله وقومه ووطنه، والكعبة أحب مكان إليه! وقد عبر عن هذا كله إذ وقف على نشز من الأرض حين خرج من مكة ونظر إلى البيت، وقال: «والله إنك لأحب أرض الله إلي، وإنك لأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت منك».
مرت ثلاثة أيام في الغار وهي أشد ما تكون عليهما، طلب مستمر من أهل مكة وجعل كبير لمن يجدهما، واقتفاء أثر ممن اشتهر في القيافة، وعذاب شديد في حياة الغار، حتى لقد تقطرت قدما الرسول دما، إذ يتعود الحفى والجفوة، وساعة رهيبة إذ يصل القافة إلى الغار، ولو نظروا من عند أقدامهم لرأوهما، وحزن شديد من أبي بكر، وطمأنينة وثبات من النبي، فيقول لصاحبه:
لا تحزن إن الله معنا .
حتى إذا خف من قريش الطلب وقطعوا الأمل خرج النبي وصاحبه من الغار إلى المدينة في حفظ الله.
وقاية الله أغنت عن مضاعفة
من الدروع وعن عال من الأطم •••