تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولعل في هذا ما يكفي لإثبات أن الأدباء كانوا مقلدين للمحدثين في وضعهم للتراجم.

على كل حال كان لنا تراجم للرجال نحوا فيها مناحي مختلفة؛ فمنهم من ترجم لكل شخص ممتاز بأي نوع من أنواع المميزات، كما فعل ابن خلكان في «وفيات الأعيان»، فقد ترجم لكل عين، وكما يقول هو: «لأولي النباهة»، ولم يستثن إلا الصحابة والتابعين والخلفاء، فترجم للمالي والفقيه والمتصوف والشاعر والأديب والنحوي واللغوي والوالي والمشعوذ. ومنهم من اقتصر على طائفة خاصة كما فعل ياقوت في «معجم الأدباء»، فقد ترجم فيه للأدباء خاصة، وكما فعل ابن قتيبة وابن سلام في «طبقات الشعراء»، وكما فعل السيوطي في «بغية الوعاة في تراجم النحاة». ومنهم من اقتصر على تراجم الأدباء في عصر خاص كما فعل الثعالبي في كتابه يتيمة الدهر في شعراء أهل العصر». إلخ.

والآن نعرض لمسألة هامة وهي: هل وفى هؤلاء المترجمون بالغرض الذي قصدوا إليه؟ قبل ذلك يجب أن نبحث متى تكون ترجمة الحياة جيدة وافية بالغرض؟

المترجم «واصف» لمن يترجمه، والواصف ينبغي أن يخرج بقلمه ولغته ما يخرجه الرسام بريشته، بل للقلم مجال أوسع من الريشة، فالقلم يستطيع أن يتغلغل إلى المعنويات من أخلاق وعقلية ومشاعر وصفات نفسية، على حين أن الريشة لا تستطيع أن تصل إلى شيء كثير من ذلك؛ نعم إن القلم يلاقي من الصعوبة ما لا تجده الريشة، فإن الريشة مرنة مطواع أمامها ماديات ذات مقاييس خاصة ونسب معينة يسهل على المصور أن يراعيها، ولكن الكاتب يعاني بقلمه في إخراج الصورة كاملة منسقة أكبر العناء. يجب أن يكون الواصف من دقة الحس ويقظة العقل وحسن التقدير لما يهم وما لا يهم ولطف الذوق والقدرة على الإبانة بحيث يستطيع أن يصف لك الشخص الموصوف كأنك تراه، بل أكثر من أن تراه؛ فهو يريك من المعنويات ما لا يرى، تريك الصورة الشيء دفعة واحدة، فنستطيع أن ترى النسب بين أجزائها، وتدرك الجمال التركيبي كما تدرك الجمال الإرادي، والكاتب الماهر يسلسل بين أقواله ويجملها بالمنطق الصحيح والأسلوب الأخاذ، فيسرق منك نفسك، فلا تنتبه إلا وقد وعيت صورة الموصوف كاملة. يرى الواصف الشخص فيدرسه ويخبره ثم يدرسه ويخبره ويجمع حوله كل ما يهمه، ويمحصه، حتى إذا اجتمعت له في ذهنه صورة كاملة متناسقة تؤلف وحدة استطاع أن يبرزها بقلمه فيشرك غيره في رؤية ما يرى. فإن كان الواصف لم يدرك أصل الموصوف جمع أخباره وحوادثه وقصصه وامتحنها بكل ما اخترع «البحث» من وسائل للامتحان، ثم كان شأنه معها شأن سابقها.

وهناك نوعان من التراجم يصح أن نسميها تراجم خارجية وتراجم ذاتية، ونعني بالأولى تراجم يقتصر فيها المترجم على وصف المترجم له بذكر الحقائق الخارجية والوقائع التي حدثت للمترجم من غير أن يشوبها المترجم بشيء من أفكاره ومشاعره. والترجمة من هذا النوع ليست إلا ثبتا للحقائق، وهي بالمؤرخ أشبه. أما النوع الثاني فتراجم يذكر فيها المترجم ما وصل إليه من حقائق ويحللها، ثم يتبعها برأيه في المترجم إما دفاعا عنه أو هجوما عليه، إما نقدا وذما وإما مدحا وتقريظا، إما استحسانا للمأثور من أقواله وآرائه أو استهجانا، وهذا النوع بالأديب أليق.

وليس يترجم من الرجال إلا من كانت له ناحية من نواحي النبوغ كالسياسة أو الأدب أو اللغة أو النحو أو الخلق أو العلم؛ فواجب المترجم أن يدلنا على موضع نبوغ من يترجمه ويعطيه أكبر عنايته، ويجعل القارئ يكاد يلمسه بيده، فإن هو قصر في ذلك فقد قصر في أهم ركن للترجمة.

إذا نحن نظرنا - في ضوء هذه القواعد التي ذكرناها - إلى كتب التراجم العربية وجدناها على اختلاف أنواعها معيبة من جملة وجوه، وهي في هذه العيوب تختلف شدة وضعفا، فأظهر عيب فيها أنها لم تسلك طريق البحث العلمي؛ فقد وضعت فيها الأساطير والخرافات بجانب الحقائق من غير تمحيص، وأكثر ما يكون ذلك في تراجم رجال الدين والتصوف، فعندهم يفقد المترجم ملكة النقد، ويسلم بكل ما حكى له.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ٢٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ٢٠٠