والسب في أن الأقدمين سلكوا هذين الطريقين اللذين أشرنا إليهما أنهما أسهل الطرق على المؤلف؛ فهو في ترجمة الرجل يذكر تاريخ ولادته، وبعض حكايات رويت، وحوادث عرضت، ثم تاريخ وفاته، وبهذا ينتهي الفصل. وفي الطريقة الثانية يختار ما نثر في الكتب من النوع الأول وأمثالها، ثم يربط بينها برباط قوي أو ضعيف، فتتكون من ذلك مجموعة يصوغ لها اسما كالبيان والتبيين، والكامل، والأمالي؛ وكلا الضربين نوع من التأليف الساذج، وأول درجة في سلم التأليف؛ ولم يصل البحث في أوروبا إلى هذا النوع من التأليف الذي يحلل ويستقصي ويلقي بالنظرة العامة تستغرق الموضوع من جميع جهاته إلا في العصور الحديثة.
وفي هذا العيب نفسه وقعت كتب التاريخ العربية، فهي إما دائرة حول السنين، يذكر في كل سنة ما حدث، أو حول الملوك وولاتهم يذكرون ما حدث لهم وفي أيامهم؛ فأما النظرة العامة إلى الموضوع، والإحاطة به وتحليله وتعليله، فدرجة لم يصل إليها مؤرخونا.
ولنعد الآن إلى ما نحن بصدده من تراجم الرجال، فالذي يظهر لنا أن الباعث الأول على ترجمة الرجال - في الإسلام - كان باعثا دينيا، وذلك من وجهين:
الأول:
أن المسلمين في أثناء جمعهم للحديث رأوا منه قسما كبيرا يتعلق بحياة النبي
صلى الله عليه وسلم
وغزواته، وحوادث تتعلق بكبار الصحابة كأبي بكر وعمر وحروبهما وفتوحاتهما، فكان ذلك أساسا لوضع كتب السير؛ وقد رووا أن أول من ألف في سيرة رسول الله
صلى الله عليه وسلم
عروة بن الزبير بن العوام (23-94ه)، وأبان بن عثمان بن عفان (22-105ه)، فكان عملهما في وضع سيرة الرسول أساسا لوضع سيرة غيره من كبار الصحابة، ثم تلاحق الأمر واتسع.
الثاني:
أن علماء المسلمين لما هالتهم كثرة ما وضع كذبا على رسول الله
صلى الله عليه وسلم
من الأحاديث لجأوا إلى وسائل يعرفون بها صحيح الحديث من ضعيفه، وكان من هذه الوسائل تشريح رجال الحديث من الصحابة والتابعين، ونقدهم وتعديلهم وتجريحهم، فتكون من ذلك مجموعات من تراجم الرجال وسيرهم وشيء مما حدث لهم، ليستفاد منه صدقهم أو كذبهم. ثم جاء رجال الأدب فقلدوا المحدثين وحذوا حذوهم، وبنوا أدبهم على هذه التراجم التي أحكموا تقليدها.
ودليلنا على أن الأدباء قلدوا المحدثين، أن المحدثين كانوا أسبق إلى هذا العمل تاريخا؛ ففي العهد الأموي نرى عروة وأبانا يكتبان سيرة النبي، ونرى أحاديث قيلت في جرح الرجال وتعديلهم، ونرى في صدر الدولة العباسية شعبة بن الحجاج ويحيى بن سعد القطان يؤلفان الكتب في نقد المحدثين وبيان صادقهم من كاذبهم؛ مع أنا لا نعلم في هذا العصر كتابا أدبيا يصح أن يقال: إن موضوعه تراجم رجال الأدب.
بل نرى من أقوى الأدلة على ذلك أن الصبغة التي اصطبغت بها كتب التراجم الأدبية صبغة محدثين اكثر منها صبغة أدباء، خصوصا ما ألف منها أيام سطوة المحدثين ككتاب الأغاني، فإنك ترى فيه الإسناد على نمط إسناد المحدثين والتعبير في كثير من الأحيان تعبير حديث. وذلك كقوله: (أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أبي عبيدة قال: بلغني أن هذا البيت «لا يذهب العرف بين الله والناس» في التوراة ... قال إسحاق: وذكر عبد الله بن مروان عن أيوب بن عثمان الدمشقي عن عثمان بن عائشة قال: سمع «كعب الحبر» رجلا ينشد بيت الحطيئة:
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه
لا يذهب العرف بين الله والناس
فقال: والذي نفسي بيده إن هذا البيت لمكتوب في التوراة. قال إسحاق: قال العمري: والذي صح عندنا في التوراة «لا يذهب العرف بين الله والعباد»)
1 .
فلعلك ترى معي أنك - وأنت تقرأ هذا - كأنك تقرأ قطعة من أحاديث البخاري.
ومن أكبر المظاهر التي تأثرت بها كتب تراجم الأدباء بكتب المحدثين احتجاب شخصية المؤلف. تقرأ في الأغاني فيغمرك بروايات عن الرجل وأحاديثه ووقائعه وأدبه وشعره، ولكن قل أن تظفر منه بكلام له، أو نقد لشعره، أو تعليق على حادثة له، أو نحو ذلك، ويظهر لي أن هذا أيضا أثر من آثار نمط المحدثين، فقد حصروا أنفسهم في دائرة النقل، نقل ما حدثوا به، ونقل ما بلغهم عن الرجل، وذلك إن جاز في الحديث - ومجال القول ضيق؛ لأن المحدث لا يهمه من المترجم له إلا ما يدل على صدقه أو كذبه، وتجريحه أو عدالته - فما كان يجوز في الأدب ومجال القول ذو سعة، وشخصية الأديب في النقد والتحليل، وبيان المحاسن والمساوي، وموضع الحسن أو القبح، لها القيمة الكبرى في الفن الأدبي. ولكن هو التقليد للمحدثين نزع بهم هذا المنزع، وليس هذا مقصورا على كتب التراجم، بل هو - أيضا - في أصول كتب الأدب المؤلفة في ذلك العصر؛ فإذا قرأت في البيان والتبيين أو عيون الأخبار لابن قتيبة لم تجد للمؤلف شخصية بارزة، مع قدرتهما الفائقة وما لهما من بسطة في العلم والأدب. ولو أحصيت ما للجاحظ في البيان والتبيين لم تجد له ربع الكتاب ولا خمسه، وإنما له الاختيار والجمع - شأن المحدثين في الحديث. وكذلك الشأن في عيون الأخبار والأغاني وغيرهما.