أضف إلى ذلك أن المترجم يكثر من ذكر الأقوال المختلفة، ويتركها على عواهنها من غير أن يبذل جهدا في تحقيقها، والخروج منها بنتيجة يرضاها؛ فتقرأ مثلا في ابن خلكان قولا يقول: إن أبا تمام الشاعر المشهور من قبيلة طيئ، وقولا يقول: إن أباه كان نصرانيا من أهل جاسم (قرية من قرى دمشق) يقال لها: تدوس العطار فجعلوه أوسا، وقد لفقت له نسبة إلى طيئ، ولكن أي القولين أصح؟ وماذا بذل المؤلف من الجهد في تحقيق هذه المسألة؟ لا شيء من ذلك، ولكن أقوال يرصف بعضها بعض من غير تمحيص؛ وترى في كتاب «الأغاني» من هذا الضرب الشيء الكثير. وقل مثل ذلك في الوقائع التاريخية، فهي تقال وتذكر فيها الروايات المختلفة، ثم يقف قلم المؤلف؛ مع أن المعقول أن جمع هذه الروايات المختلفة ليس إلا مقدمة لتمحيصها والخروج منها بنتيجة تقرب إلى الصواب.
الحق أن النقد عند كتاب التراجم كان ضعيفا، ولم يمهروا في امتحان الحقائق وتخليص جيدها من رديئها. نعم إنا نعثر في «وفيات الأعيان» لابن خلكان و«معجم الأدباء» لياقوت و«الأغاني» على نتف صغيرة من النقد تدل على دقة ملاحظة وجودة نظر، وربما كان أفضلهم في ذلك ابن خلكان، ولكنها مواقف نادرة قليلة لا يصح أن يقال: إنها النظام المتبع في التأليف.
كذلك من أوضح العيوب البارزة في هذه الكتب، أن المؤلفين لم يستطيعوا أن يقوموا موضع نبوغ المترجم له فيخصوه بالشرح الوافي. قد كنت أفهم أن كتابا ك «بغية الوعاة في أخبار النحاة» يعني في تراجمه بهذه الناحية النحوية، فيبين مكانة المترجم في النحو، وموضع نبوغه، وأي شيء جدد في النحو حتى استحق أن يترجم، ولكن قل أن أعثر فيه على شيء من ذلك؛ ومثل ذلك يقال في طبقات المحدثين والفقهاء والأدباء!
أغرب ما في هذا النوع عناية المترجمين بالشعر لغير الأديب والشاعر، فترى كثيرا منهم - كابن خلكان - يبحثون للمترجم عن بيتين أو أبيات الشعر ينسبها إليه، ويذكرهما بجانبه، ويجعل لها مكانا ممتازا في ترجمته. ولو كان هذا الذي يترجم له شاعرا أو أديبا لحمدنا للمترجم هذه العناية؛ أما والمترجم مالي أو مشرع أو محدث أو اجتماعي، فما قيمة بيتين أو أبيات قالها في حياته؟ أليس سخيفا أن تقرأ في ابن خلكان ترجمة الإمام الشافعي فلا ترى فيها شرحا لموضع نبوغ الشافعي ومقدرته في التشريع، وبماذا يمتاز عن بقية الأئمة، وأين مكان مذهبه من الرأي والحديث. ثم تراه يعني عناية فائقة بأبيات ضعيفة يرويها له، وهذا هو بعينه ما فعله في ابن جرير الطبري المؤرخ، وطلائع بن زريك السياسي، والفارابي الفيلسوف.
إنما يجب أن يذكر للشاعر شعره، وللفقيه فقهه، وللسياسي سياسته، وللفيلسوف فلسفته، ويجب أن تكون هذه الناحية هي أهم ناحية يعني بها المترجم. •••
هذا وقد عني المحدثون بوضع تراجم مفردة مستقصية، تحلل فيها الأشخاص والحوادث تحليلا دقيقا، ويعتمد فيها على النمط الحديث في البحث، ويستفاد فيها مما وصل إليه علم النفس من استكشاف وبما وضع علماء الأدب المحدثون من أنماط. ونرجو أن يتتابع التأليف على هذا النمط، ويتمشى في الرقي مع الزمن، حتى تكون لنا مجموعة قيمة من تراجم المشهورين في العصر الإسلامي من أدباء وفلاسفة وشعراء وغيرهم، تقرأ الترجمة فتشعر كأن المؤلف أحيا المترجم وبعثه من جديد، وتشعر وقد قرأت الترجمة كأنك لقيت المترجم وعاشرته وحدثته، وقرأت كتبه واستقصيت دخيلة نفسه.
| الهجرة
في يوم من أيام صفر من العام الذي سمي بعد «عام الهجرة»، بثت الدعوة في عظماء قريش أن يجتمعوا في «البرلمان» لأمر خطير.
نعم، وكان لقريش برلمان، ولكن لم يكونوا يسمونه هذا الاسم الأجنبي الذي يقتبسونه من غيرهم، إنما كانوا يسمونه اسما ظريفا من وضعهم، هو «دار الندوة» - يجتمعون فيه كلما حزبهم أمر، أو جد لهم حادث خطير.