تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما الذي في يد الأوروبيين فهو أنهم جروا في سياستهم للعالم الإسلامي أيضا على أنه غنيمة، وعلى هذا الأساس وضعوا كل خططهم الاقتصادية والسياسية والعلمية؛ فأخصبوا الأرض وأجدبوا العقول؛ لأن تحسين الأرض لهم وتحسين العقول عليهم، وأضعفوا القوة الحربية لهذه الأمم خوفا من أن تقوم يوما ما في وجوههم؛ وأضعفوا حركة التعليم لأن المثقفين ثقافة عالية شر عليهم، وأفسدوهم سياسيا فضربوا بعضهم ببعض حتى لا يلتفتوا إليهم، ومنحوا خير المناصب لمن رضي لنفسه أن يكون إمعة، ونحو ذلك من وجوه لا عداد لها؛ فكانت نتيجة ذلك ضعف الغنيمة ضعفا قاسيا.

فهل كان هذا النظر في مصلحة أحد؟ أظن لا. وأظن أنه لم يكن في مصلحة المسلمين ولا في مصلحة الأوروبيين أنفسهم؛ فأما أنه ليس من مصلحة المسلمين فأمر بديهي لا يحتاج إلى بيان، وأما أنه ليس في مصلحة أوروبا، فأظن أن ما يكسبونه من الغنائم لا يوازي ما يضيعونه في الحروب عليهم. إنهم كأصحاب القضايا الذين ينفقون للمحامين والمحاكم أضعاف ما يربحون إذا حكم لهم. ما قيمة استعمارهم إذا كانت سلسلة حياتهم كساقية جحا تملأ من البحر وتصب في البحر؟ بل ما قيمة استعمارهم إذا كان تاريخ حياتهم جمعا وادخارا من الغنائم والأنفس والأموال، ثم القذف بها في أتون كبير يأتي عليها جميعا؟ وهي إذا انتهت من تمثيل الرواية بدأت تمثلها من جديد؟

بل ما قيمة ملايين من الجنيهات تأخذها من الغنائم كل عام لتنفقها أو أكثر منها للدفاع عنها؟ أليس سفها أن ينفق المالي للمحافظة على رأس المال أكثر من رأس المال؟

أين غاب عن عقلائهم ومفكريهم وفلاسفتهم أن هناك ضروبا من الانتفاع غير ضروب الاستغلال وإضعاف المستغل؟ هنالك ضروب خير من الاستغلال وهو التعاون، هو ألا يعدوا العالم الإسلامي غنيمة، ولكن يعدونه زميلا أو أخا صغيرا؛ يقوونه في ماله ويقوونه في عقله ويقوونه في سياسته، فإذا هو عون لهم، وإذا هو مصدر منفعة، وإذا هو عميل عاقل خير لهم من عبد جاهل.

إن هذا النوع من السياسية التي أنشدها يزيل سببا من أسباب ما بين الدول الأوروبية من إحن وأحقاد، تستنزف دماءهم وأموالهم وتؤخر مدنيتهم.

قد كان يكفي داعيا لأوروبا أن تنظر هذا النظر السليم، داعي الإنسانية، وأن العالم بعد أن صار وحدة لا يحق لبعض أعضائه أن يعيش على حساب عضو آخر، ولا أن يقوى هو على حساب إضعاف عضو آخر.

فإذا لم يكن كافيا فليدع إليه ما ترى أوروبا فيه نفسها، مما تجر عليها «نظرية الغنيمة» من أسوأ أثر وأوخم عاقبة.

وأظن أن قد بدأ الساسة الأوروبيون يدركون هذا أخيرا، بدليل ما صنع الإنجليز في مصر والعراق، وإدراكهم خطأهم السابق في سياسة الإضعاف. فهل يخطون ويخطو غيرهم من الأمم المنتفعة بالغنيمة خطوات أخرى أوسع وأرقى؟ لا بد لتحقيق ذلك من تفاعل بين قوة الشرق وعقلية الغرب.

| تراجم الرجال في الأدب العربي

تشغل تراجم الرجال في آداب اللغة العربية أبين مكان، وتستغرق أكبر حيز. بل لا نبالغ إذا قلنا: إن ما نسميه اليوم «أدب اللغة» كان يدور حول تراجم الرجال من أدباء وشعراء وعلماء، وذكر شيء من أجود ما قالوا؛ فأقدم كتب الأدب كالأغاني إنما بني على الأصوات المختارة، وتدرج منها إلى ذكر الأدباء وترجمة حياتهم، وأهم ما عرض لهم.

وأكثر الذي نعرفه من ضروب التأليف القديم في الأدب نوعان: نوع أسس على تراجم الرجال كالأغاني ومعجم الأدباء وطبقات الشعراء ويتيمة الدهر، ونوع أسس على المختار من المنظوم والمنثور، كالذي ذهب إليه الجاحظ في البيان والتبيين والكامل للمبرد، والعقد الفريد لابن عبد ربه. فأما نظرة عامة في الأدب عامة، أو فرع من فروع الأدب - كالشعر والخطابة - وتحليله تحليلا عميقا مفصلا، فذلك ضرب لا نعلم أن الأقدمين وصلوا إليه. والحق أنهم تركوا لنا شيئا غفلا يصح أن يستفاد منه بمهارة الصنعة، وإجادة الفن، ولم يخلقوا لنا شيئا ناضجا يحسن الوقوف عنده.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٩٨