تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أو هو في فنه أطرب من سجع الحمام، وأحسن من الدر في النظام، ألفاظه العذب الزلال أو أرق، ومعانيه السحر الحلال أو أدق. يستطيع بقلمه أن يقيم حكومة ويسقط حكومة، ويرفع الوضيع، ويخفض الرفيع، ويثير الشعب ويوجهه حيث أراد؛ القادة تتملقه لأنها ترتكز على سن قلمه؛ والحكومات تهابه لأنها تخشى معرة لسانه تتناقل الألسنة في الشرق والغرب كلماته، ويحل العالم معضلاته!

أو هو في إدارته سياسي حازم، صادق العزم، ثابت العقد، إذا قصد أمرا عرف كيف يبتغي له أسبابه، ويتوخى وجوه نجحه؛ الحكومات كلها فاشلة لأنها لم تستند عليه؛ والشعب مغفل لأنه لم يوله قيادته، ولا يصلح أمر أمته إلا إذا أسندت إليه رياسة وزارتها؛ فهو وحده القدير على أن يضع برامج الإصلاح، ويعرف كيف ينفذها؛ وسوف تمر السنون تلو السنين وأحوال الشعب في منتهى السوء حتى يلتفتوا إليه ويعولوا عليه!

ثم تراه - فيما عدا جنونه الفرعي أو تضخمه الجانبي - عاقلا فيما يعرض له، حكيما فيما يتصرف فيه، فهو في المسائل المالية ناجح دقيق، وهو في دراسته وقراءته وكتابته ذكي نبيه، وهو في شئون أسرته خبير بصير؛ وعلى الجملة إذا أنت لم تمس ناحية جنونه أمنت له واطمأننت إليه وأحسنت تقديره. أما إن أنت قاربت موضع الخطر منه سمعت سخفا يثير عجبك، ويستخرج ضحكك، وتقع في حيرة من أمره، في جنونه وعقله، وحكمته وسفهه، وكياسته وحمقه!

والحق أن لا عجب، فقد يصح القلب وتتضخم الكبد، ويصح الرأس ويمرض القلب. •••

وهناك نوع من التضخم الكلي في الشخصية كالتضخم الكلي في الجسم، فيرى صاحبها أنه مركز العالم وما عداه ليس إلا نقطا على المحيط، هو في كل شيء أوحد عصره وفريد زمانه، وتميز عن النظراء وترفع عن الأشكال، لا يقع النظر على مثله، ولا يبلغ في الوجود أحد مبلغه، هو في شكله أجمل مخلوق، وهو في عقله أكمل من في الوجود، وهو في أخلاقه لا يبارى، وفي تصريفه للأمور لا يجارى، وفي إدارته وحزمه وعزمه ونبله وفضله أسبق الناس غير مدافع، وأفضلهم غير معارض. ما في الدنيا من محامد فهو مصدره والموحي به والمشير على الزعماء بالأخذ به، والمفضل عليهم بسلوك سبيله؛ وما في الدنيا من نقص فلأن الناس لم يأخذوا فيه برأيه ولم يصغوا فيه إلى نصحه. وما في العالم من مشكلات ومعضلات؛ فلأن العلماء لم يستفتوه في حلها ولم يستعينوا به في حل ألغازها. العالم مخلوق له، والشمس والقمر والنجوم تنير من أجله، والأرض تنبت خير ما عندها لمتعته، والبحر يضحك لطلعته، والرياض تزهر لسواد عينه؛ وعلى الجملة فكل شيء منه وبه وله، ولولا أثارة من تواضع لحشر فنادى فقال : أنا ربكم الأعلى، ولطالب الناس بعبادته وفرض عليهم شعائر الخضوع لعظمته. •••

ثم قد يظهر مرض «تضخم الشخصية» في بعض الأزمان في شكل وبائي كما تظهر الحمى، وبعض الأمراض الأخرى في شكل وبائي أيضا، كالذي نرى في كثير من شبابنا؛ فهم في المدارس الثانوية والعالية قد تضخمت شخصيتهم حتى «ضمرت» بجانبها شخصية المعلم والناظر والوزارة، فهم الذين يقررون أن يدخلوا الدرس أو لا يدخلوا، وأن توقع عليهم عقوبة على ذلك أو لا توقع، وإذا دخلوا الدرس فهم الذين يقررون ما يدرس فيه وما لا يدرس، وقد يقررون أن مزاجهم اللطيف ليس مستعدا لسماع درس القواعد السخيفة، ولا التطبيقات المسئمة، ولا المطالعة السمجة، ولا البلاغة الهزيلة؛ وإنما أمزجتهم مستعدة فقط لنوادر مضحكة و«نكت» لاذعة وقصص مسلية، فإن شاء مدرسهم أن ينزل على حكمهم وإلا فالإضراب، وله تمام الحرية في الاختيار.

وكما نرى في كثير من شبابنا عند بدء توليهم عملا، فتتضخم شخصيتهم حتى «تضمر» بجانبها شخصية رؤسائهم؛ فهم لا بد أن يختاروا العمل الرئيسي بقطع النظر عن المران والسن والأقدمية، ولا بد أن يكون لهم مكتب رئيسي يتناسب وعملهم الرئيسي، ولا بد أن يأمر المرءوس الشاب ويسمع الرئيس الشيخ.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٩٥