وكان تضخم الشخصية عند شباب الجيل الحاضر «رد فعل» لضمور شخصيتهم في الجيل الماضي؛ فقد كانوا آلات تتحرك و«عساكر شطرنج» في يد اللاعب.
وقد يكون سبب ذلك أن السياسيين استغلوا قوتهم وأشعلوا عواطفهم، وأسموهم دائما نغمة الإعجاب ونغمة الحقوق، ولم يسمعوهم أبدا نغمة العقاب ولا نغمة الواجبات، وما زالوا ينفخون فيهم حتى تضخموا. وأيا ما كان فليس المقام مقام تحليل للأسباب، ولكن تسجيل للأعراض. •••
تضخم الشخصية مرض يخل توازن النفس كما يخل تضخم عضو من أعضاء الجسم توازنه، ويمنع صاحبه من رؤية الحقائق كما هي في الخارج، بل يراها كما يمليه تضخم شخصيته، وكما يمليه جنونه بنفسه، فما اتفق وهذا الجنون فخير وإلا فشر؛ خير الناس في نظره من سايره في عقيدته وأشعل نار جنونه، وخير الآراء عنده ما غذى شعوره بالعظمة، وإحساسه بالنبوغ، وأشهى الحديث إليه ما دار حول كماله هو ونقص غيره، وعبقريته هو وسخف من عداه!
وصحة الشخصية تقتضي كمال التوازن فلا يطغى جانب من شخصيته على جانب، ولا تطغى شخصيته على شخصيات الناس، وإذ ذاك يستطيع أن يقدر تقديرا صحيحا من هو في نفسه، ومن هو في بيئته، ومن هو في عالمه؛ فلا تضخم ولا ضمور، ولا تطفيف في المكيال ولا بخس في الميزان، ثقة بالنفس في غير مغالاة، ووضعها موضعها من غير تحقير.
وكان الطبيعي أن ننظر إلى هؤلاء الذين تضخمت شخصيتهم نظرة عطف ورحمة، كنظرنا إلى من تضخم قلبه أو كبده أو تضخم كله، ولكنا نرى في عالم تضخم الشخصيات مناظر متناقضة وأشكالا متباينه!
نرى ممن أصيبوا بتضخم الشخصية من أصبحوا سخرية قومهم، وملهاة صحبهم، اتخذوا جنونهم دعابتهم، وأحاديثهم عن أنفسهم هزأهم وموضع عبثهم؛ ولكن بجانب ذلك نرى بعض من أصيبوا بهذا المرض قد تفاعل تضخم شخصيتهم مع أحداث زمانهم، فرفعهم هذا التفاعل إلى أرفع مكان في قومهم، وأحلهم محل القادة فيهم، وموضع الأمر والنهي منهم، وصاحب السيطرة والسلطان عليهم، وأصبح من يهزأ بتضخم شخصيتهم خاضعا تابعا سميعا مطيعا!
وعلى الجملة نرى هذا سخرية قومه لتضخم شخصيته، وهذا معبود قومه لتضخم شخصيته، فهل هذا خبط عشواء كما قال زهير في المنايا:
رأيت المنايا خبط عشواء من تصب
تمته، ومن تخطئ يعمر فيهرم
أو هو قانون محكم ولكنه معقد، ومطرد ولكنه غامض؟
ذلك ما لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم.
| المسلمون سبب من أسباب الحرب العالمية
للحرب أسباب عدة يستطيع أن يحصيها السياسي والاقتصادي، ولكني أرى أن من أهم أسبابها المسلمين.
ذلك أنهم أصبحوا في العصر الحديث «غنيمة أوروبا» تتقسمهم وتتوزعهم، ويرضي بعضهم بعضا على حسابهم، فإذا ثارت مشكلة بين دولة ودولة، فقد يكون الحل الوحيد للخروج من هذا المأزق أن تطلق كل منهما يد الأخرى في بلد من بلاد المسلمين تفعل فيه ما تشاء.
وكان لإنجلترا وفرنسا أكبر نصيب من هذه الغنيمة، فكانت مصر والسودان والهند - مثلا - من حظ إنجلترا، وتونس والجزائر ومراكش من حظ فرنسا.
ولما وضعت الحرب العظمة أوزارها، كان من أعمال مؤتمر فرساي توزيع الغنيمة أيضا على أوروبا، فأخذ الإنجليز فلسطين والعراق، واستولى الفرنسيون على ساحل سوريا.
هذا عدا ما في يدي إنجلترا وفرنسا من ممالك إسلامية صغيرة يطول عددها، وما في أيديهما من دول إسلامية أخرى تستقل ظاهرا وتأتمر بأمرهما باطنا.
نظرت إلى الدول الكبرى الأخرى كألمانيا وإيطاليا، فرأت أن هذه الغنيمة لم توزع توزيعا عادلا، فليس لإيطاليا إلا طرابلس وبرقة، وليس لألمانيا شيء يذكر، وليس لأسبانيا إلا سبتة والمنطقة الخليفية في مراكش؛ فحز ذلك في نفوس من لم ينالوا حظا كبيرا من الغنيمة، وثاروا يطلبون المزيد.
كان هذا كله مصدر قلق واضطراب من ناحيتين: من ناحية المسلمين انفسهم، ومن ناحية دول أوروبا بعضها وبعض.