أما الشرق الذي هو مصدر الوحدانية فمتعدد في كل شيء، وقد فقد الوحدة في كل شيء؛ فلا وحدة بين القروي والحضري، لا في ملبسه ولا في نظام أكله ولا في طرق معيشته! ولا وحدة بين المثقفين، فثقافة رجال الدين غير ثقافة الممدنين، ويبدأ التخصص في الدين من بدء التعلم. ولا وحدة بين قضاة المحاكم الشرعية والأهلية والمختلطة (حتى في الكادر). ولا وحدة بين الجامعة المصرية والجامعة الأزهرية، ولا بين وزارة المعارف والأزهر، ولا بين المتجر القديم، والمتجر الحديث، ولا بين أي شيء وشيء؛ وفي هذا خطر كبير من الناحية الخلقية والاجتماعية نعاني متاعبه إلى الآن. فإذا نظرت إلى عقليات المتعلمين لم تجد فيها أساسا مشتركا: عقلية الأزهري غير عقلية المدني، وهما غير عقلية من تربى في مدارس إنجليزية، ومن تربى في مدارس فرنسية، وهذا هو سر الصراع الحاد الدائم بينهم، ويظهر ذلك بأجلى مظاهره في المجالس التي تتكون من هذه العناصر المختلفة.
وإذا نظرت إلى أفراد الشعب وجدت الخلاف الكبير بين مظهر الريفي والحضري وعقليتهما ونوع معيشتهما، وقد جر هذا إلى سوء شعور كل منهما نحو الآخر.
ويطول بي القول لو عددت الأمثلة والمظاهر الدالة على ذلك.
ومرجع هذا كله - فيما أرى - إلى الخطأ الكبير الذي وقع فيه المصلحون عند تقبلهم المدنية الغربية؛ فبدل أن يرقوا الشعب تدريجا من أساسه، تركوه على حاله، وأوجدوا نظما حديثة مستقلة.
ولا سبيل إلى العلاج إلا بإصلاح هذه الغلطة من أساسها، من توحيد التعليم، وتوحيد القضاء، وتوحيد الملابس، وتوحيد المعيشة الاجتماعية.
أو ليس أولى الناس بالتوحيد من دينهم التوحيد؟
| تضخم الشخصية
لا بد أنك تعلم أن من أمراض الجسم تضخم بعض أعضائه، كتضخم الكبد أو الطحال أو القلب، وإذ ذاك يختل توازنه، ويسبب التضخم من المتاعب والأمراض ما يعرفه الأطباء.
إن كان كذلك فهناك نوع من المرض النفسي شبيه بهذا المرض الجسمي، هو «تضخم الشخصية»، فتتمدد النفس وتتمدد حتى قد تشمل الكون بأسره.
وكما أن الجسم قد يصاب أحيانا بالتضخم العام، فتنتفخ كل أجزائه، وتتضخم كل أعضائه، فيكون الطول المفرط في كل نواحيه، أو السمن المفرط في كل أجزائه، وقد يصاب أحيانا أخرى بالتضخم الخاص، فتتضخم الكبد، وكل أجزاء الجسم الأخرى محتفظة بحجمها الطبيعي، كذلك التضخم النفسي.
قد يكون هناك تضخم نفسي نوعي، وباقي الشخصية سليم لم يصب بأذى ولم يمرض بتضخم. فهناك من تضخمت شخصيته في شعوره بجماله، فهو يرى في نفسه أنه قسيم وسيم، قد أفرغ في قالب الجمال، وطبع بطابع الحسن، وأنه ممشوق القد رشيق القوام، لا يقع الطرف على أجمل منه صورة، ولا تفتح العين على أتم منه حسنا!
قد جن بهذه العقيدة جنونا، فهو يديم النظر في المرآة، وهو يتأنق إلى أقصى حد في ملبسه وفي مشيته وفي حركته؛ إن كان رجلا فهو خليق أن يصرع أجمل امرأة، وأن يوقعها في شباكه، ويذلها بنظرته؛ وإن كانت امرأة فهي جديرة أن تتزوج أحسن رجل، وأن يكون فريستها أي عظيم!
تتضخم هذه الناحية من شخصيته أو شخصيتها فتكون محور الحياة ومركز التفكير، ومصدر الأعمال، وباعث السلوك - حياته كلها حول التفكير في جماله، وحديثه كله حول من وقع في شباكه ومن أسرهم بحسنه، وملابسه وكيف يشتريها وكيف يخيطها، وآماله في الزواج، ومن يصلح من العظماء لمصاهرته، وهو يغشى المجامع الأرستقراطية ليبهر الناس بحسنه، ويروعهم بروائه، ويفتنهم بجماله، وهو يلتفت ويتحرك، وينظر بقوانين دونها قوانين الهندسة المعقدة والجاذبية المركبة!
هو مجنون جنونا فرعيا بجماله فحسب، وفيما عدا ذلك عاقل كل العقل، حكيم كل الحكمة، غاية الأمر أن جنونه بجماله لم يسمح له بالتفكير فيما عداه إلا بقدر ضئيل جدا. •••
وهذا آخر قد جن جنونا فرعيا في عقيدته بكفايته العقلية أو الفنية أو الإدارية، فهو يرى أنه قطب أهل العلم وعميدهم وإمامهم، رأيه مقطع الحق، ومفصل الصواب، قد استبطن دخائل العلم، واستجلى غوامضه، وخصه العلم بأسراره، فلم يمنحها إلا له، ولم يقفها إلا عليه؛ وهو في جيله نسيج وحده، وإمام عصره، لولاه لغاب نجم العلم وخبا ضوءه؛ وهو وحده نصير الحق، ورافع راية الصواب، ولولاه لعاش الناس في ظلام دامس، وضلال مطبق، وويل للناس إذا هدأ صوته أو خرج روحه!