عند ذاك فقط أدرك الشرق أنه لا بد لنجاحه أن يقلد الغرب ويسايره في شئونه، فلا بد أن يكون له سلاح كسلاحه، وعلم كعلمه، ونظام سياسي واقتصادي واجتماعي كنظامه، وأن يرقى بأوضاعه القديمة لتصل إلى الأوضاع الحديثة.
شعر المصريون والشاميون بهذا عند مجيء الحملة الفرنسية، وشعر المغاربة بذلك عند احتلال الفرنسيين للجزائر، وشعر العراقيون بذلك عندما بسط الإنجليز سلطانهم على بلادهم، وشعر الأتراك بذلك يوم تكالب عليهم الدول الأوروبية، وهكذا؛ ولكن كان أمامهم طريق واحد صحيح، هو أن يسلكوا نفس الطريق الذي سلكه الأوروبيون، وهو أن يعمدوا إلى نظمهم فيرقوها بحسب استطاعتهم وبحسب ما يسمح له الزمان، وأن يكون الرقي من جنس نمو الشجرة من داخلها ونمو الإنسان من نفسه؛ وهذا هو الذي حدث في أوروبا في عصر النهضة؛ فقد قامت الثورات على القديم في كل شيء، فأدخل التعديل عليه، وكلما تقدم الزمان وهضم التعديل أدخل عليه تعديل آخر، وانتقل به خطوة أخرى، حتى وصل إلى ما وصل إليه من رقي.
أما في الشرق فحدثت غلطة كبرى هي موضوع مقالي هذا، لا نزال نتجرع غصصها إلى اليوم. ولا أمل في النجاح إلا بإصلاحها، تلك هي أننا بدل أن نصلح القديم ونرقى به، تركنا القديم على قدمه وأنشأنا بجانبه جديدا، وجعلنا النوعين يسيران جنبا إلى جنب، يتصارعان ويتعاديان، ونحن نشرب المر من تعاديهما.
وكان سبب ذلك أن المصلحين خافوا من المحافظين، واتقوا ثورتهم، ولم يكن لهم من القوة ما يفرضون معه إصلاحهم، فلجأوا إلى الطريق الآخر غير المستقيم، وهو ترك القديم وإنشاء الجديد.
كان في مصر كتاتيب للتعليم الابتدائي وأزهر للتعليم العالي، وكان التعليم فيهما على الأساليب القديمة؛ فلما أريد الإصلاح كان خير طريق هو أن ترقى الكتاتيب، ويرقى الأزهر، ويدخل عليهما ما تقتضيه حالة البلاد وتعدد وتوسع؛ وكان هذا يضمن الوحدة العقلية والوحدة الثقافية، وهذا ما فعلته أوروبا في نهضتها؛ فقد رأت في مستهل القرن التاسع عشر أنه لا بد من أن تكون للتعليم وحدة تتدرج في مراحل متعددة، فلا بد من ثقافة ابتدائية يشترك فيها كل أفراد الشعب، ثم تعلوا وتتفرع. أما في مصر فتركت الكتاتيب والأزهر على حالهما، وأنشئت بجانبهما المدارس المدنية تحذو حذو المدارس الأوروبية، فكان لنا من ذلك قديم وجديد يعيشان معا.
وكان لدينا محاكم شرعية تحم بين الناس في الخصومات، فكان الطريق الطبيعي للإصلاح أن ترقى نظمها ويوسع اختصاصها؛ ولكن تركت - كما ترك الأزهر - على حالها، وأنشئ بجانبها محاكم أهلية ومحاكم مختلطة تحذو في نظامها وأحكامها حذو أوروبا، وبذلك أصبح تعليمنا غير موحد، وقضاؤنا غير موحد.
حتى في النظم الاجتماعية ترك الفلاح على قدمه والقرية على نظامها، لم يدخل عليهما أي إصلاح، وأنشئت المدن الحديثة على النمط الأوروبي، فكان لنا نوعان من الشعب منعزلان عن بعضهما تمام العزلة، فلاح يرجع إلى توت عنخ آمون، وممدن على آخر طراز أوروبي.
وشأن البلاد الشرقية شأن مصر، جرت على هذا الوضع العقيم، وسارت على هذا النهج غير القويم.
نشأ من هذا الخطأ ضرر جسيم جدا، وهو عدم الوحدة، على عكس ما عليه الحال في الغرب؛ فبين الفلاح الإنجليزي والأرستقراطي الإنجليزي وحدة في طريق الملبس والمأكل ونظام الحياة، لا تختلف إلا باختلاف الصنف، وبين كل المتعلمين الإنجليز أو الفرنسيين أو الألمان وحدة عقلية في منهج التعليم وطرق البحث وطرق التفكير، لا يختلف في ذلك رجل الدين عن غيره؛ فرجل الدين يتعلم الطبيعة والكيمياء والحساب والجغرافيا على أحدث نظام، كما يتعلم المدني، ثم هذا يتخصص للدين، وهذا يتخصص للهندسة أو الطب. وطريقة بحث رجال الدين عندهم هي طريقة بحث الطبيعي أو الكيميائي، بل نرى من رجال الدين من تخصص للآثار القديمة واللغات القديمة، والتاريخ بكل فروعه، وهكذا.