تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان ملء السمع، ملء البصر، واسع الثراء، واسع العطاء، إذا استوزر ارتفع ثمن الشمع وثمن الورق لكثرة ما يعطي من هدايا الشمع، ولكثرة ما يستعمل هو وأصحابه من الورق، فكأنه يعشق النور فيبدد الظلام بالإضاءة، ويبدد الفوضى والجهل بالكتابة، فلا يخرج أحد من داره بعد الغروب إلا ومعه شمعة، مع كثرة الداخلين والخارجين، ولا يأتي متظلم يريد أن يرفع إليه شكاة، أو يتطلب عطاء إلا وجد بجانب الدار أدراجا كثيرة من الورق يأخذ منها ما شاء، ويستعمل ما يشاء، حتى لا يلتزم مئونة ما يبتاعه من ذلك، هذا مع غلاء الورق غلاء دونه غلاء الورق الآن في الحرب.

عالي الهمة نبيل، كانت الوزارة في أيامه وقفا على جماعة من المستوزرين أصحاب البيوت المعروفة، يتولى أحدهم فلا هم للآخرين إلا أن يتآمروا عليه ويكيدوا له وينصبوا الحبائل حوله، ويسعوا بالسعايات لدى الخليفة ليفسدوا ما بينه وبينه، حتى يتم لهم ما أرادوا، فيعزل ويصادر؛ ويتولى وزير جديد، فتبدأ القصة من جديد على النمط القديم، وتنتهي القصة الثانية والثالثة بما انتهت به القصة الأولى؛ وتقرأ تاريخ الوزراء في ذلك العصر، فلا تقع عينك إلا على دفاع وهجوم، وتولية وعزل، وخلع للمتولي، ومصادرات للمعزول. ومن حين إلى حين قد تعثر على عمل إيجابي للوزير في المصلحة العامة وقد لا تعثر.

وكان لكل وزير وكل مستوزر أعوان يأكلون من موائده، ويستفيدون من التقرب إليه، ويحصون على خصومه سيئاتهم التي ارتكبوها وسيئاتهم التي توهموها، ويعدون العدة ليومهم الذي يسقط فيه الخصم، ويتولى وزيرهم الحكم، فيقدمون دفاترهم ويتقاضون أجورهم.

فكان من نبل ابن الفرات أنه لما وزر حمل إليه صندوقان عظيمان فيهما أسماء من يعاديه ومن يكيد له ومن يعمل لخصومه، فقال: «لا تفتحوهما، ودعا بنار وطرح الصندوقين فيها، فلما احترقا قال: لو فتحتهما وقرأت ما فيهما لفسدت نيات الناس بأجمعهم علينا واستشعروا الخوف منا، وبما فعلنا من إحراقهما هدأت القلوب وسكنت النفوس».

وكان يكره السعاية والسعاة لشدة ما عانى زمنه منها، ولكثرة من ذهب ضحية لها، فقد اتخذ القوم السعاية حرفة حتى كانت هي الأصل والجوهر في حياة كثير من الناس، وما عداها من الأعمال فعلى هامشها، هي دأبهم في النهار، وسمرهم في الليل، وتدبيرهم إذا خلوا إلى شياطينهم؛ فأراد ابن الفرات أن يقضي على هذه السنة السيئة، فكان إذا رفعت إليه قصة فيها سعاية خرج من عنده غلام ينادي في الناس المحتشدين أمام داره: أين فلان بن فلان الساعي؟ فيشهر سعايته ويجمع بينه وبين من سعى فيه؛ فلما عرف الناس منه ذلك كفوا عن سعايتهم.

ولكنهم كفوا عن السعاية إليه وسعوا به، فكانت حياته سلسلة سعايات به وسلسلة نكبات له. وزر ثلاث مرات، وفي آخر كل وزارة يقبض عليه وتنهب داره وأمواله ويزج به في السجن هو وأهله، وفي آخر مرة قتل هو وابنه المحسن، وخاف الناس أن يذكروهما بخير، فيغضب الخليفة القاتل، ويغضب الوزير الجديد ويغضب أشياعه، فلما أراد شاعر وفي أن يرثيهما عمل قصيدة في رثاء هر، وكنى بالهر عن المحسن أو أبيه، أولها:

يا هر فارقتنا ولم تعد

وكنت عندي بمنزل الولد

فكيف ننفك عن هواك وقد

كنت لنا عدة من العدد

تطرد عنا الأذى وتحرسنا

بالغيب من حية ومن جرد

وتخرج الفأر من مكامنها

ما بين مفتوحها إلى السدد

وعلى هذا النحو جرى في قصيدته الرمزية البديعة التي تبلغ خمسة وستين بيتا. •••

جمع ابن الفرات خصالا متناقضة، فكان نبيلا كريما، وكان محبا للمال ماهرا في اصطياده، وكان يكره السعاية ويعفو عن الخصوم، ولكنه مل العفو أخيرا، فخرج عن حلمه، ونكل بخصومه فنكلوا به، ومد يده إلى أموالهم فصودرت أمواله، وفي ذلك يقول شاعرنا في الهر:

حتى اعتقدت الأذى لجيرتنا

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٩٠