ولم تكن للأذى بمعتقد
وحمت حول الردى بظلمهم
ومن يحم حوا حوضه يرد
تدخل برج الحمام متئدا
وتبلغ الفرخ غير متئد
وتطرح الريش في الطريق لهم
وتبلع اللحم بلع مزدرد
أطعمك الغي لحمها فرأى
قتلك أربابها من الرشد
كادوك دهرا فما وقعت وكم
أفلت من كيدهم ولم تكد
فحين أخفرت وانهمكت وكا
شفت وأسرفت غير مقتصد
صادوك غيظا عليك وانتقموا
منك وزادوا، ومن يصد يصد •••
أردت أن تأكل الفراخ ولا
يأكلك الدهر أكل مضطهد
هذا بعيد من القياس وما
أعزه في الدنو والبعد
لا بارك الله في الطعام إذا
كان هلاك النفوس في المعد إلخ •••
كان ابن الفرات ذا كفاية ممتازة: في الاقتصاد وفي تدبير أموال الدولة، وفي ضبط الأمور والحزم وقوة الإرادة، وفي بصره بالشئون السياسية، حتى كان في كل مرة يقبض عليه فيها ويسجن تضطرب الأمور وتفسد الإدارة، وتختل المالية وتتعقد المشاكل، فإذا عجزوا عن حلها لم يجدوا أمامهم إلا ابن الفرات حلا لها. •••
لطالما عانى ابن الفرات وجاهد، وقلب الأمور، وصرف الشئون، وانغمس في السياسة من قدمه إلى قرنه، وصادفه السعد والنحس، وذاق الحلو والمر، وقد خرج من وزاراته الثلاث بتجارب ثلاث بلور فيها آراءه واختباره، يكفينا اليوم واحدة، فكل منها يحتاج في شرحه إلى كتاب، بله مقال.
قال:
تمشية أمور السلطان على الخطأ خير من وقوفها عند الصواب.
ولقد وقفت عند هذه الجملة طويلا، مطبقا لها، مستعرضا لحالنا في ضوئها، فأعجبت بها وآمنت ببعد نظر الرجل وقوة سياسته، وقلت: ما أحوج مصر والشرق إلى أن تسود هذه النظرية كل أعمالها الحكومية وغير الحكومية!
إنما يريد «بأمور السلطان» شئون الدولة، ويرى أن التردد الطويل مخل بالمصلحة، ولو كان الباعث تحرى الصواب والرغبة الشديدة في الوصول إلى الحق، وأن التنفيذ السريع مع احتمال الخطأ خير من البطء مع احتمال الصواب.
إن أمورنا من قديم تجري على البطء في التنفيذ، والزمن لا يمهل، فلكل يوم مشاكله، ولكل ساعة جديدها وأمورها وتعقيداتها؛ فإذا أمهل في التنفيذ رغبة في الوصول إلى الحق لا شك فيه، ارتبكت الأمور ارتباكا لا شك فيه، وزاد التعقيد بمرور الزمن، وأصبح ما كان يحل أول أمره في ساعة لا تكفي في حله سنة.
لا أدري لماذا وأنا أفكر في هذا هجمت علي أمثلة متعددة حتى حرت فيما آخذ منها وما أدع.
كم من السنين مرت وأنا أسمع بمشكلة الأزهر ودار العلوم وكلية الآداب، ثم لا أجد لها حلا باتا تحل به، وكل يوم يمر تزداد المشكلة تعقدا؟ ولا أرى لحلها قولا خيرا من قول ابن الفرات.
وكم من السنين مرت وأنا أسمع بتوليد الكهرباء من خزان أسوان، ولا أرى لحله قولا خيرا من قول ابن الفرات.
وكم سمعت بنفق شبرا وكهربة خط حلوان؟
وكم سمعت بآراء في المجمع اللغوي تعرض وتطوى ومشروع يقدم ويؤخر وجدال في أن يدرس اللهجات أو لا يدرسها، ويعني بنشر الكتب أو لا ينشرها، وتزداد أعضاؤه أو لا تزداد، ثم لا شيء؟
وأخيرا كم سمعت بعين حلوان وتحليل مائها ومحاولة ردمها، ثم محاولة استغلالها ثم بقائها كما نبعت، وحيرة الناس في شأنها كما بدأت؟
وكم سمعت بتوحيد القضاء وإصلاح الأوقاف وتحسين حال الفلاح؟ وكم وكم مما لو شئت أن أحصي ما وسعني مقال ولا كتاب!
فما أحوجنا إلى العمل بقول ابن الفرات، وأن يكون شعار الأمة بأجمعها من أصغر موظف لأكبر موظف ومن أصغر عامل لأكبر عامل «تمشية الأمور على الخطأ خير من وقوفها عند الصواب».
ورحم الله ابن الفرات.
| الوحدة والتعدد
كان الشرق كفؤا للغرب من الناحية الحربية والعلمية والاجتماعية في عهد الحروب الصليبية، بل كان الشرق يفوق الغرب في كل هذه النواحي، بدليل انتصار الشرق في هذه الحروب، وبدليل أن دعاة الغرب كانوا يحثون مواطنيهم على الاستفادة من الشرق والاقتباس من علمه ونظمه.