وموقف هذا الموظف تقفه كل الأوساط على اختلاف في مقدار اللباقة والكياسة، ولكن الجوهر واحد، فذلك هو الشأن في الأوساط العلمية والتجارية والسياسية؛ يتكلم الأجنبي كلمة عادية فتكون المثل، وتكون الحكمة، وتكون القول الفصل؛ ويبدي الرأي فيكون الرأي الناضج والقول الحكيم والغاية التي ليس وراءها غاية؛ ويطلب الطلب فلا بد أن يجاب، وإذا لم يمكن فالاعتذار الحار والوعد بإجابته في ظرف آخر؛ ويدخل المحل التجاري أو يركب القطار أو يدخل النادي فموضع رعاية خاصة؛ ويعمل العمل فيقدر التقدير الغالي في قيمته الأدبية ومكافأته المادية، إلى ما يطول شرحه.
وفي هذا من غير شك مذلة للشعور وإذلال للنفس واستعباد للمواطن، ومع هذا يطالبنا السادة الأخلاقيون بالتواضع! لا بد أن يفهم الناي في كل مناسبة وفي كل ظرف أن القوم أنس مثلنا، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا؛ وأن هؤلاء القوم على أحسن تقدير ضيوفنا لا سادتنا، ومن لحم ودم كلحمنا ودمنا، ولهم عقل ولكن كعقلنا، وسلوك في الأخلاق كسلوكنا، وتصدر منهم الفضيلة والرذيلة كما تصدر عنا، وأنهم ككل البشر يستذلون من أذل نفسه، وأن واجبنا أن نحترمهم في غير مذلة، ونحترمهم لا على حساب احتقار المواطن، وأن نبادلهم احتراما باحترام واحتقارا باحتقار، وأنه إذا حدثتهم أنفسهم بالاعتداء علينا لم نمكنهم، وأن الحكم بيننا وبينهم دائما أن لنا حقوقا وعلينا واجبات كحقوقهم وواجباتهم، فإذا طلبوا المساواة فالسمع والطاعة، وإذا طلبوا الإذلال قلنا: «لا» بملء أفواهنا.
والأمر الثاني:
من مظاهر الذلة الذي لا يقل خطرا عن هذا، فهم الرئيس لمعنى الرياسة، فهو يفهمها على أنها غطرسة من جانبه، وذلة من جانب مرءوسه، وإلا لم يكن المرءوس مؤدبا؛ فرئيس المصلحة ليس لأحد رأي بجانب رأيه، لا لوكيله ولا لمديري إدارته، عليهم أن يسمعوا في ذلة، والعزة له وحده؛ ثم يتكرر تمثيل هذا الدور من أعلى فنازلا، فكل من بعد الرئيس الأعلى رئيس من جانب ومرءوس من جانب، فهو كمرءوس حاله ما بينا، وهو كرئيس يقلد تقليدا تاما رئيسه في اعتزازه وإذلاله، وهكذا دواليك، حتى يصل الأمر إلى ما نرى من الباعة في الشارع والجندي، فمثلهم كالقاطرة تصدم العربة التي تقابلها، ثم كل عربة تصدم ما بعدها إلى آخر القطار. •••
ليس لهذا من علاج إلا فهم العزة بمعناها الدقيق، وهو احترام نفسك في غير احتقار أحد، وأن تقف موقفا له جانبان، فإن نظرت إلى من هو أعلى منك في المنصب والجاه والجنسية فلا تمكنه أن ينال من نفسك ولو ذرة، ولا أن يتعدى حدوده ولو شعرة؛ وإذا نظرت إلى من هو أسفل منك فلا تتعد حدودك، وإذا شعرت باستخذائه وذلته، فارفع مستواه ما استطعت حتى يصل إلى الحدود.
على أنه ليس هناك أسفل ولا أعلى إلا أن تكون مواضعات سخيفة، فمن الذي قال: إن كناس الشارع وضيع، وفراش المصلحة وضيع، والخادم في الأسرة وضيع؟ نعم إن الحالة الاجتماعية فرقت بين الناس في المرتب ونحوه، ولكن القيمة الحقيقية للإنسان - وهي ما له من حقوق وواجبات - قدر مشترك بين الجميع.
فليس من حقك أن تنادي بائع الجرائد ب«ولد»، ولا خادمك بأحقر الأسماء، ولا فراش المصلحة بما يشعر باحتقاره، وهو مطالب بالأدب معك، وأنت مطالب بالأدب معه ؛ وليس للجندي حق أن يرفع عصاه على بائع لم يتجاوز حدوده، ولا لأي رئيس أن يخرج عن الأوضاع الأدبية في مخاطبة مرءوسه.
فإذا فرغ الرئيس والمرءوس من العمل، وفرغ سائق السيارة ومالكها، وفرغ الضابط والجندي، والمعلم والتلميذ من أعمالهم، فكلهم سواء في الحياة الاجتماعية، وكلهم سواء في الحقوق، لا ذلة لأحد أمام أحد، ولا اعتزاز من أحد على أحد. «مذ كم تعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟!»
| تجارب وزير
كان أبو الحسن علي بن محمد المعروف «بابن الفرات» وزيرا من أشهر وزراء الدولة العباسية في أواخر القرن الثالث وأوائل القرن الرابع للهجرة، استوزره المقتدر بن المعتضد.