تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأؤكد أن أكثر المتكلمين في الأخلاق من المسلمين في مثل حال هذا الخطيب، لا يعرفون زمانهم، ولا يعرفون أمتهم، ولا يعرفون موقف أمتهم من زمانهم؛ يرونهم أذلة فيدعون إلى الذلة ويرونهم متواضعين فيلحون في طلب التواضع، ويرونهم زهادا بالطبيعة لا يجدون الكفاف من العيش فيمعنون في طلب الزهد، فإن هم تلطفوا قليلا طلبوا منهم الرضا بالبؤس وألصقوه بالقدر، وجعلوا ذلك كله ضربا من التقوى والإيمان، وهم بذلك يداوون جوعا بجوع، وجرحا بجرح، وسما بسم؛ وكان يجب أن يداووا جوعا بشبع، وجرحا بضماد، وسما بترياق.

تعالوا إلى كلمة سواء بيننا، ألا ندعو إلى خلق يزيد الأمة ضعفا، فلا ندعوها إلى الرضا بالقليل وفي إمكانها الكثير، ولا ندعوها إلى الاستسلام للقدر وفي وسعها مكافحة الصعاب ومواجهة الشدائد، ولا ندعوها إلى الذلة وفي استطاعتها أن تعز. والواقع أن أبيات العزة وأدب العزة وأمثال العزة وقصص العزة إنما تكثر في الأمة أيام عزتها وتختفي أيام بؤسها؛ فلما كان العالم الإسلامي عزيزا أنطقتهم بالعزة رماحهم، ثم غلبوا على أمرهم فنطقوا بالتواضع، وتواصوا بالاستكانة؛ وألفت الكتب والخطب من ذلك الحين تروح على البائسين حتى لا يشعروا ببؤسهم ولا يملوا شقاءهم، وما زال الحال على هذا المنوال حتى صار الداء صحة، والدواء مرضا.

وليس غريبا أن يسير الناس على هذه الخطة، ولكن غريبا أن يسير القادة عليها، وكان المفروض أن يكونوا أبعد نظرا، وأطهر قلبا، وأعرف بحقائق الأمور. •••

أريد بالعزة أن يشعر كل إنسان بكرامة نفسه ويشعر بما لها من حقوق، فلا يسمح لمخلوق كائنا من كان أن ينال منها مثقال ذرة، كما يشعر بما عليه من واجبات، فلا يسمح لنفسه أن يعتدي على حقوق الناس مثقال ذرة أيضا.

وللعزة مظاهر متعددة ووسائل مختلفة؛ فالناس كثيرا ما يتطلبون الغنى وسيلة من وسائل العزة، وآخرون يطلبون المنصب الحكومي أو العضوية البرلمانية أو العضوية في الجمعيات الراقية أو صداقة العظماء أو حسن الملبس على أنها وسائل للعزة. والمتعلمون يطلبون العزة من طريق الشهادات من ليسانس ودكتوراه ودبلوم ونحو ذلك. وهذه كلها عزة شخصية؛ وهناك عزة أخرى قومية وهي اعتزاز الفرد بنسبته إلى أمته، كاعتزاز الإنجليزي بإنجليزيته والفرنسوي بفرنسويته والألماني بألمانيته؛ ولهذه كلها مظاهر متعددة كاحترام كل أمة أعلامها والمحافظة على بعض تقاليدها والافتخار بلغاتها والفخر بآثارها ونحو ذلك. وليس يهمني الآن هذا ولا ذاك، إنما يهمني نوع من الشعور يتملك المرء ويشعر معه بأنه إنسان في الحياة لا يمتاز عنه أحد في الوجود في إنسانيته. قد يمتاز الناس عنه في المال أو في الجاه أو في المنصب، ولكن لا يمتاز عليه أحد في أنه إنسان؛ فسائق السيارة وصاحب السيارة سيان في احترامهما أنفسهما وشعورهما بحقوقهما وواجباتهما.

ويسوءني أن أرى الشرقي لا يشعر بالعزة الشعور الواجب، ولا ينزل هذه الفضيلة الواجبة من نفسه المنزلة التي تستحقها، وأكبر ما يؤلمني في ذلك مظهران:

الأول:

استخذاء الشرقي أمام الأجنبي الأوروبي وشعوره في أعماق نفسه كأنه خلق من طينة غير طينته، وكأن الطبيعة جعلت أحدهما سيدا والآخر عبدا؛ ترى هذا الشعور في المصالح الحكومية وفي الحوانيت التجارية وفي المجتمعات وفي الشوارع، وفي كل معاملة وفي كل خطوة. بالأمس كنت في محطة السكة الحديدية فذهبت إلى شباك التذاكر، وسألت الموظف - في أدب - هل هنا محل صرف التذاكر إلى بلدة كذا؟ فلم يجب، وأعدت السؤال فلم يجب، فتولاني شعور ممتزج من غضب وخجل واحتمال لبرودة السؤال وغير ذلك. وما لبث أن جاء أجنبي فسأل مثل هذا السؤال بلغته الأجنبية، فترك الموظف ما في يده وأقبل عليه بكله، وأجابه إجابة فيها كل معنى التبجيل والتعظيم، واختتم كل جملة من جمله بكلمة «سيدي»! فدهشت من هذا الحال وثارت نفسي وتجمع الدم في وجهي، ونلت من الموظف بقدر ما نال مني، ولم أكسب من ذلك كله إلا أن أكتب المقال.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٨٨