تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن حسن الحظ أن كل مجنون يعد نفسه العاقل بل مثال العقل، ويهد ما خالف نموذجه جنونا، وكلما بعد إنسان عن نموذجه كان أشد إمعانا في رميه بالجنون.

وفي رأيي أن «العقلاء» وضعوا المجانين في المستشفى؛ لأن «العقلاء» أقوى وأشد، ولو كانت القوة في صف المجانين لوضعوا العقلاء في المستشفى، ولله في خلقه شئون.

| العزة

استعملت العرب كلمة «العزة» في مقابل «الذلة»، فقالوا: رجل عزيز ورجل ذليل، وجاء استعمال كلمتي «العزيز والذليل» في القرآن متقابلتين، فقال تعالى: «أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين». وحكي عن المنافقين أنهم قالوا في إحدى الغزوات: «لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل»، وهي كلمة قالها ابن أبي، ويريد بالأعزة نفسه وصحبه، وبالأذلة محمدا

صلى الله عليه وسلم

وصحبه، فرد عليهم الله بقوله: «ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون»، وقد تصدى بعض المسلمين لابن أبي وسل سيفه عليه ومنعه من دخول المدينة، وقال: والله لا أغمده حتى تقول: «محمد الأعز وأنا الأذل»، فقالها. والسبب في كل هذا أن العرب في الجاهلية كانوا يفهمون العزة في المال والجاه والرياسة والولد ونحو ذلك، فجعلها الإسلام في التمسك بالدين الحق، والترفع عن السفاسف وإباء الضيم.

وأكثر العرب من استعمال هذه الكلمة في الجاهلية والإسلام، فكان أبو جهل يقول: «أنا أعز أهل هذا الوادي وأمنعهم»، وقال الشاعر:

بيض الوجوه كريمة أحسابهم

في كل نائبة عزاز الآنف

وفسر الراغب الأصفهاني «العزة» بأنها حالة مانعة للإنسان من أن يغلب، وجعل اشتقاقها من قولهم: أرض عزاز أي: صلبة، وتعزز لحم الناقة اشتد وصلب.

والحق أن تحديد معنى العزة في منتهى الصعوبة، وأصعب ما في ذلك رسم الحد الفاصل بين العزة والكبر، وبين الذل والتواضع؛ وقديما حاول الناس أن يفرقوا بينهما. فقد روي أن رجلا قال للحسن بن علي: «إن الناس يزعمون أن فيك تيها» فقال: «ليس بتيه ولكنه عزة». وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: «اخشوشنوا وتمعززوا»، كأنه خشي إذا أمر الناس بتعود الخشونة أن يلجئهم ذلك إلى احتقار النفس وذلتها، فاستدرك ذلك بطلب المحافظة على العزة.

وحاول السهرودي أن يفرق بين العزة والكبر فقال: «العزة غير الكبر؛ لأن العزة معرفة الإنسان بحقيقة نفسه وإكرامها، كما أن الكبر جهل الإنسان بنفسه وإنزالها فوق منزلتها».

ولست أدري لم أهمل علماء الأخلاق من المسلمين هذا الخلق، فلم يكثروا الكلام فيه إكثارهم في غيره من الصدق والكرم والتواضع.

ولو وضعت أنا «ثبت» الأخلاق مرتبة حسب أهميتها للمسلمين لوضعت في أعلاها «العزة ». ولاخترت من الأخلاق ما يبعث القوة والاعتداد بالنفس والرجولة والأنفة والحمية، ولأقللت جدا من الكلام في التواضع والزهد والخوف ونحو ذلك؛ لأن قائمة الأخلاق يجب أن تخضع في تربيتها وتقويمها لعاملين: روح العصر، وموقف الأمة إزاء بقية الشعوب؛ بل أحيانا تنقلب الفضيلة رذيلة، ويكون الحث على هذا النوع من الفضائل داعية إلى الإجرام. فإذا أفرطت أمة في التواضع كانت الدعوة إليه إجراما، وإذا أفرطت أمة في الزهد كانت دعوة الأخلاقيين إليه دعوة إلى الموت والفناء.

كنت زمنا قاضيا في «الواحات الخارجة» وهي بلاد في منتهى الفقر والبؤس، أغناهم من ملك نخيلات وسويعات في عين من عيون الماء، بؤس شامل، وجهل شائع، وضنك يستذرف الدمع، ويستوجب الرحمة، ثم ذهبت يوما إلى صلاة الجمعة في مسجدها البائس الفقير أيضا. فما كان أشد عجبي من خطيب يخطب من ديوان مطبوع يستحث الناس على ألا يقضوا صيفهم في أوروبا، وأنا على يقين أن الخطيب والسامعين لم يعرفوا أوروبا، ولم يفهموا لها معنى غامضا، ولم تحدث أحدا منهم نفسه بالسفر إلى مصر فضلا عن أوروبا، ولكنها قلة ذوق الخطيب وسماجته، وجهله التام بالواقع.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٨٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٨٧