فإن سرت معي نستعرض أصناف المجانين الأخرى، أريتك «مجانين المال» الذين نسوا أن المال وسيلة فجعلوه غاية، وأنفقوا عمرهم وأنفقوا صحتهم في جمعه، وعندهم ما يكفيهم وفوق ما يكفيهم؛ ومنهم من باع شرفه وخلقه للدينار يجمعه ويورثه، ومنهم من سخر آلاف الناس يجمعون له ثروته، فجنوا جنونه، ولكن قد جن لنفسه، وجنوا هم له، فكان في جنونه أحسن حالا منهم في جنونهم، ثم ربكوا أنفسهم في تدبير المال، وربكوا الحكومات بما نظمت من محاكم ووضعت من قوانين، فالنزاع دائم والمعيشة ضنك. ونتيجة الخصومات لا تساوي تعب النفس بالخصومات؛ ثم ملأوا الجو حسدا وبغضا وشحناء من أجل المال واستحواذ المال، وقسموا أنفسهم إلى فقراء لا يجدون ما يأكلون، وأغنياء يتخمون من كثرة ما يأكلون؛ هذا شقي بفقره، وهذا شقي بغناه؛ وكان في الإمكان أن يسعد الجميع لو عقل الجميع، ولكن أنى ذلك والداء مستحكم، والجنون معضل؟ •••
وهناك على مقربة من هؤلاء طائفة أخرى غريبة حقا، هم مجانين الشهرة، هذا يود أن يحرق الدنيا ليشتهر، ويخالف الناس والعقل ليشتهر، ويمشي على جثث من يصرعهم ليشتهر، ولا يهمه أن يذكر بخير أو بشر ما دام اسمه يردد على الألسنة وتلوكه الأفواه؛ وهذا يبيع راحته وصحته ويتلف ماله ويتلف نفسه ليحظى بالجاه وينال الشهرة؛ وهذا يدبر المكايد ويدس الدسائس ليصرع من أمامه، ويحل محله ويترأس ويشتهر.
وكل هؤلاء يقفون - ولو وقفة قصيرة - يسائلون أنفسهم: ما الشهرة وما الجاه، وما قيمتها الحقيقية في ضوء الحياة الواقعة التي تنتهي بالموت، ثم لا يجازى الإنسان بعد إلا على ما قدم من عمل غير ملحوظ فيه إلا قيمته الذاتية؟ وما هذا الذي يدفع الناس إلى كل هذا السخف الذي يسمونه جاها ويسمونه شهرة؟ وكيف عموا عن تقويم الأشياء بقيمتها الحقة من غير نظر إلى الأعراض الفانية؟
لا شيء إلا الجنون. •••
الحق أني إن أدرت أستعرض أنواع الجنون طال العرض وقصر الشرح. •••
ثم انظر معي للناس كافة على اختلاف أممهم وبيئاتهم تر العجب العاجب؛ في عاداتهم في مآكلهم ومشاربهم وملابسهم وسائر تصرفاتهم؛ وخلاصتها أنهم يخترعون من العادات ما يشقيهم ويذهب بسعادتهم، إن شئت مثلا لذلك فانظر إلى الممدنين، كيف يخنقون أنفسهم بملابسهم في حفلاتهم، وكيف يكون تصرفهم في أفراحهم ومآتمهم، وكيف يفسدون صحتهم بنظامهم في مآكلهم، إلى ما لا يحصى من مواضعات غريبة يضيق عنها الحصر، قد وجدوا أنفسهم أحرارا، فوضعوا ما يسلبهم حريتهم، وأصحاء فاعتادوا ما يذهب بصحتهم، واحكم بعد ذلك معي بم تسمي من يفعل هذا كله؟ أعاقل أم مجنون؟
يخيل إلي أن الذي يخفف من حكمنا على الناس بالجنون أننا ننشأ أطفالا لا عقل لنا، ثم ننظر إلى أعمال الناس ولما ينشأ عقلنا، ثم يتكون العقل فينا شيئا فشيئا، ونحن نرى أعمال الجنون ولا نرى غيرها فلا يكون لنا مجال في التفكير فيها؛ لأننا نألفها قبل أن نعقل، فإذا عقلنا لم نستغرب؛ لأنها ألفت من قبل، وعدت أعمال عقل من قبل. ولو قدر لإنسان أن يولد في جزيرة وحده، وينمو عقله على طبيعته، حتى إذا اكتمل رأي الناس وتصرفاتهم، لدهش من تصرفاتهم أشد الدهش، وعجب من جنونهم كل العجب، ولهرب منهم إلى حيث لا ناس ولا جنون؛ وإلا فحدثني كيف يستطيع عاقل أن يفسر طربوشهم وزر طربوشهم، وكيف يفسر الأزرار التي توهم أن لها عروة وليس لها؟ وكيف يفسر مظاهر حفلاتهم ومظاهر خصوماتهم! إلى ما لا يحصى.
لو رأى ذلك كله لأول مرة وهو عاقل لم يجد فرق كبير بين ناس داخل المستشفى وناس خارجه.
ويعجبني ما قرأت في كتاب الأغاني من حكاية بدوي رأى عرسا حضريا لأول مرة فأعياه تفسير مظاهره، وكاد يجن من تصرف أهله. •••
الحق أن العقل والجنون في هذه الحياة أمران نسبيان؛ فكل إنسان فيه كمية من عقل وكمية من جنون، وتختلف صغرا وكبرا؛ ولذلك يتقارب جدا عنوان المقالتين، ويكاد يتساوى عقلاء المجانين بمجانين العقلاء.