وأيا ما كان فهذا الباب طرفة من طرف الأدب العربي تستخرج الضحك والعجب والتفكير. •••
أما مجانين العقلاء فعددهم أوفر، وجنونهم أكثر، ونواحيهم أعقد، وتصرفاتهم أسمج. ونحن نستعرض لك بعضهم، إذ يعجزنا القول في كلهم؛ ولعلك تشاركني القول بأن في طليعة مجانين العقلاء هؤلاء الذي دفعوا هذا العالم الآن إلى هذه الحرب الطاحنة الفتاكة، المخربة الهدامة؛ وأنت لا شك متبين مدى جنونهم إذا تساءلت: فيم يتحاربون وكانوا يعيشون عيشا رغدا، وينعمون بما خلقوا من مدنية، وما أسسوا من حضارة، وطعام أفقرهم اللحم والزبد والمربى، وأرض الله واسعة، وخيراته تكفي لأضعاف من على ظهرها؛ ففيم إذا القتال، وفيم هذا التدمير والخراب؟ أللأكل والطعام وفير؟ أم لامتلاك الأراضي؟ وما قيمة امتلاكها إذا كانت غلتها مشتركة؟ أم لاستبعاد الإنسان في المستعمرات؟ ولم يستعبد وأولى أن يؤخذ بيده لينهض ويعمل؛ ويزيد في خيرات الأرض التي تثمر للجميع؟ أم للمجد. وأي مجد هذا الذي يؤسس على جبال من رءوس القتلى وأنهار من دمائهم؟ أم لفخر أمة وتيهها وخيلائها وتعاظمها على مثيلاتها؟ فلم هذه العظمة وهم ينادون بالمساواة بين الأفراد؟ فيجب أن تكون النتيجة الطبيعية المساواة بين الأمم؟
قلب المسألة على كل وجوهها، وسائل نفسك عن سبب هذه الحرب المعقول، يعجزك الجواب، وتسلم معي بعد طول البحث أن الأمر لا يعدو الجنون؛ ولو شاهدت أمة الحمير أو أمة الكلاب هذه المناظر وكان لها لسان ينطق لصرخت: ما أشد جنون الإنسان! ونعوذ بالله أن نمسخ ناسا.
ولعل أغرب ما يستوجب الأسى ويقنعك بالجنون أن هذا الإنسان يحاول أن يخضع كل مظاهر الطبيعة لقدرته، ويحاول أن يستكشف سر المادة وسر ما وراء المادة، ويحاول أن يعرف حقيقة العالم وخالق العالم، وينشئ الفلسفات المعقدة المربكة المرتبكة، وأن يضع النظم الدقيقة للعالم وشئونه، وهو يعجز أن يضع نظاما يمنع هذه المجازر التي تخجل السباع الضارية أن تمثلها.
أليس هذا جنونا؟ فإن لم يكن فما الجنون إذا؟
هذا - من غير شك - جنون محزن، ولست تتصور مبلغ ما يثير من حزن حتى تتصور الأسر التي لا تحصى وقد فقدت عميدها وعائلها وبعض أبنائها أو كلهم، وحتى تتصور الأسر التي فقدت عائلها في الحرب الماضية، ثم فقدت أبناءها في الحرب الحاضرة، ثم برح بها الحزن والفقر والبؤس معا. لماذا؟ - لا أدري. •••
ثم تعال معي نطل على طائفة أخرى من مجانين العقلاء، وهؤلاء جنونهم أظرف ومظهرهم ألطف، وهم «طائفة المحبين» الذين لوعهم الحب، وألح عليهم العشق، فهم في هزال وضنك وبكاء، وحنين وهيام، وما شئت من أغراض.
ما هي إلا نظرة حتى تعقبها حسرة، وإذا الدنيا كلها لا تساوي شيئا بجانب نظرة تنظرها أو كلمة تتحدث بها؛ وتمحي الدنيا وسعادتها من الوجود إلا وجودها، ووصلها وهجرها، وحركاتها وسكناتها، وتتركز سعادته وشقاوته فيها، ففي يقظته ذكراها، وفي حلمه خيالها؛ إن نظرت إليه فسهم صائب، وإن أعرضت فسهم أيضا، يشكو من قربها ويشكو من بعدها، ويبكي إن وصلت خوفا من هجرها، ويبكي إن نأت جزعا من فرقتها، وتحدثه نفسه بالانتحار إن أعرضت؛ ويعادي فيها أهله، ويركب المخاطر والأهوال، ويترك الدنيا الحقة ليعيش في دنيا خيال وأوهام، ويهجر العالم الفسيح ليعيش في دنيا ضيقة كل الضيق، ويملأ الجو كله حزنا وألما وتحسرا وأسفا؛ فإن كان شاعرا صب ذلك كله في شعره، وإن كان موسيقيا ففي موسيقاه؛ وإن كان فنانا ففي فنه؛ والمجانين أمثاله يجاورنه في جنونه، فيبكون إن بكى، ويطربون إن طرب، وتبدو عليهم الأعراض من أعراضه، ثم عما قليل يشعر المحبون بجنونهم، فيأسفون على زمن أضاعوه، وألم تجرعوه، وخيالات وأوهام عاشوا فيها وعاشوا لها، ولا يدركون ذلك إلا بعد أن تضيع صحتهم، وتتقدم سنهم، فيقعون في جنون من نوع آخر. •••