وقال له عاقل آخر: تناول الحجارة وارمهم كما يرمونك. فقال له بهلول: مه يا مجنون، إني إن فعلت شيئا من هذا رجعوا إلى آبائهم فقالوا لهم: هذا المجنون بدأ يحرك يديه فيجب أن يغل ويقيد، فلا يكفيني ما ألقاه منهم حتى أغل وأقيد.
وله ناحية أخرى غاية في الطرافة، هي تستره وراء مظهر جنونه، ونصيحته الخلفاء والأمراء بأقوى لفظ وأصرح بيان؛ فقد زهد في مالهم وجاههم، وأمنه جنونه أن ينالوا منه، ووثق بربه فلم يخف أحدا؛ وله في هذا الباب نوادر رائعة وأقوال غالية.
رووا أن الرشيد خرج إلى الحج فمر بالكوفة، فرأى بهلولا يعدو على قصبة وخلفه الصبيان. فقال الرشيد: كنت أشتهي أن أراه، فادعوه من غير ترويع. فلما حضر بين يديه قال: يا بهلول، كنت إليك مشتاقا.
بهلول :
لكني لم أشتق إليك.
الرشيد :
عظني.
بهلول :
وبم أعظك؟ هذه قصورهم، وهذه قبورهم.
الرشيد :
زدني.
بهلول :
من أعطاه الله مالا وجمالا، فعف في جماله، وواسى في ماله، كتب في ديوان الأبرار.
الرشيد :
قد أمرنا بقضاء ديونك إن كانت.
بهلول :
لا. إنه لا يقضى دين بدين، اردد الحق إلى أهله، واقض دين نفسك.
الرشيد :
ألك حاجة؟
بهلول :
أنا وأنت عيال الله. فمحال أن يذكرك وينساني.
ثم ركب قصبته وجرى.
ووقفه الأمير يوما في طريق الرشيد ليدعو له إذا مر به، فما حاذاه الرشيد قال: يا أمير المؤمنين أسأل الله أن يرزقك ويوسع عليك. فضحك الرشيد وقال: آمين. فلما جازه الرشيد صفعه الوالي وقال له: أهكذا تدعو لأمير المؤمنين يا مجنون؟ فقال بهلول: اسكت يا مجنون، فما في الدنيا أحب إلى أمير المؤمنين من الدراهم؛ فبلغ ذلك الرشيد فضحك وقال: والله ما كذب.
وبنى بعض الخلفاء قصرا، فتناول بهلول قطعة من الفحم وكتب عليه: «رفعت الطين ووضعت الدين، ورفعت الجص ووضعت النص».
وهكذا قصر العقلاء في نصيحة الخلفاء والأمراء، فقام بهذا الواجب المجانين.
وتنتابه لوثة فيلعب في التراب، ويمر عليه الناي فلا يعبأ بهم؛ لأنه يرى نفسه العاقل وهم المجانين، وكيف يوقر عاقل مجنونا؟
ويجلس بين المقابر فينطق بالموعظة الحسنة والحكمة البالغة، فيقول: «أما ترى هذه الأعين السائلة، والمحاسن البالية، والشعور المتمعطة، والجلود المتمزقة، والجماجم الخاوية، والعظام النخرة، لا يتقاربون بالأنسانب، ولا يتواصلون تواصل الأحباب، قد صارت الوجوه عابسة بعد نضرتها، والعظام نخرة بعد قوتها، تجر عليهم الرياح ذيولها، وتصب عليهم السماء سيولها».
ثم له الفكاهة الحلوة، والنادرة الطريفة، والجواب المسكت، فقد بلغه عن أمير الكوفة أنه ولد له بنت فساءه ذلك، فذهب إليه بهلول وقال له: أيسرك أن لك مكانها ابنا مثلي؟ فقال له: ويحك، فرجت عني.
وصحبه مجنون آخر مثله، فقابلهما الخليفة الهادي، فقال للبهلول: لم سميت بهلولا. فقال له: ولم سميت أنت موسى؟ فسبه الهادي سبا شنيعا؛ فنظر بهلول إلى صاحبه وقال له: كنا اثنين فصرنا ثلاثة. ورؤي جالسا بين المقابر وهو يلعب في التراب فقيل له: ماذا تصنع؟ قال: أجالس قوما لا يؤذونني
1 . •••
وهكذا ملأ بهلول عصره فكاهة وموعظة، وأضحك الكبار وأفرح الصغار؛ وكان في الكوفة نظير صاحبه عليان بن أبي مالك في البصرة؛ وأمثالهما كثير، منهم من عرف بالشعر الظريف، ومنهم من عرف بالنوادر الطريفة، ومنهم من كان مجنونا حقا، ومنهم من رأى العالم مجنونا فجن حتى لا يتعبه عقله. ومن العلماء والرواة من خاف قول الحق، والجهر بالصدق، فخلق بخياله مجنونا نسب إليه ما كان يجب أن يكون وما كان يجب أن يقال، وتستر وراء ذلك حتى لا يؤخذ به. ومنهم من رأى أن الحكمة إذا صدرت عن عاقل فأمر مألوف لا يسترعي النظر، ولا يستوجب العجب؛ ولكن إذا صدرت عن مجنون كانت أوقع في النفس وأدعى إلى التفكير والاعتبار، فحمله عقله على أن يستصدرها من مجنون. وقديما قالوا: الجنون فنون.