تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقبل ذلك كان سيدنا «الشيخ سيد عبد الرحمن» - فقيه كتابنا - يجري في الشارع والأطفال يصيحون وراءه: «الشيخ سيد أبو جنونة»، فإذا حضر الكتاب فكلنا هيبة واحترام، ثم إذا حدثته فعاقل حكيم، يحدثك فيروعك حديثه لحكمته وصدق نظره.

والعرب لم يعنوا بهذا الضرب من الناس إلا أن يكونوا مجانين ممتازين في ناحية من النواحي الفنية، كأن يكونوا شعراء مجيدين، أو حكماء بارعين، أو فلاسفة ممتازين، أو كانوا ينطقون بالحكمة الرائعة، أو النكتة الصريحة اللاذعة أو نحو ذلك.

وقد أفرد بعض الكتب بابا بهذا الصنف من الأدباء كما فعل ابن عبد ربه في «العقد الفريد» سماه «أخبار الممرورين والمجانين». والممرور: من غلبت عليه المرة، وهي خلط من أخلاط البدن يغلب على المرء حينا فيهذي، وهو أخف حالا من المجنون.

وحكى في هذا الباب عن قوم من هؤلاء كان العلماء يجاذبونهم الحديث ليسمعوا جوابهم وكلامهم فيعجبوا به أي إعجاب، كعليان بن أبي مالك، ممرور البصرة، الذي كان يجري في الشارع والصبيان يصيحون وراءه، فالتجأ إلى بيت فأشفق عليه صاحبه وأطعمه وحماه، والصبيان يرجمون الباب. وهو يقول: «فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب». وسئل عن أي بيت أشعر، فقال:

ندمت على ما كان مني - فقدتني -

كما ندم المغبون حين يبيع

إلى آخر ما سئل، وآخر ما أجاب.

وقد ألف النيسابوري صاحب التفسير المشهور كتابا سماه «عقلاء المجانين» ترجم فيه لهذا النوع من الناس وأفاض. •••

وفي الحق أن هذا الصنف حبيب إلى الناس، يحبون أن يسمعوا حديثه ويتحروا أخباره؛ ولعل السر في ذلك أنه صنف فيه طرافة؛ لجمعه بين المتناقضات من عقل وجنون، وسفه وحكمة، وطيش ورزانة، ونقص وقوة؛ ولأنه مثار الشفقة والرحمة مع الإعجاب والاستحسان؛ فجنونهم يستدعي رحمتهم، وحكمتهم أو نوادرهم تستدعي الإعجاب بهم؛ وإذا اجتمع في النفس بواعث الشفقة والإعجاب ومظاهر التناقض فهناك الطرافة والجدة واللذة.

وعلى العكس من ذلك مجانين العقلاء، فلعل أكثر الناس في الواقع ينقسمون إلى عقلاء المجانين، وإلى مجانين العقلاء، فعقلاء المجانين هم من عرفت؛ أما مجانين العقلاء فعلى العكس من ذلك، يتظاهرون بالعقل وهم في سخفهم وسوء تصرفهم أولى أن يكونوا في عداد المجانين؛ وهؤلاء لا ترتاح النفس إليهم؛ لأنهم لا يثيرون شفقة ولا إعجابا، وإنما يثيرون سخطا ونفورا، وهذا مثار ألم لا لذة.

ولم أجد من ألف في مجانين العقلاء كما ألفوا في عقلاء المجانين؛ ولعل السبب في ذلك كثرة عددهم وثقل روحهم، وقد أدرك هذا أحد عقلاء المجانين، وقد قيل له: «عد لنا مجانين البلد» فقال: «كيف وهم لا يحصون؟ فإن شئتم عددت لكم العقلاء». •••

والآن أعرض لصورة من صور هؤلاء (عقلاء المجانين)، وهي صورة طريفة حقا، ممتعة حقا، هي صورة بهلول الكوفي الذي كثيرا ما اتصل اسمه بالرشيد وملأ الكوفة وما حولها نوادر وطرفا. •••

أما اسمه «بهلول» فاسم ظريف يطابق مدلوله، فمن معانيه الضحاك وقد كان البهلول ضحاكا.

وأما منظره وحركاته وسكناته وتصرفاته، فكانت تغري الأطفال بالضحك عليه، والسخرية منه، والصياح وراءه، ورميه بالحجارة؛ ومع هذا فكل ذلك لا يثير حفيظته، ولا يخرجه عن طوره، بل يقابل بنظرة الفيلسوف الهادئ، ويثير فيه العطف والشفقة على هؤلاء الأطفال الذين يجدون في إيذائه؛ فقد رموه مرة بحجر فأدموه فقال:

حسبي الله توكلن عليه

ونواصي الخلق طرا بيديه

ليس للهارب في مهربه

أبدا من روحة إلا إليه

رب رام لي بأحجار الأذى

لم أجد بدا من العطف عليه

والبيت الأخير مثل راق من أمثال الإنسانية السامية، والرفق الذي بلغ الغاية في اللطف.

وقال له العقلاء يوما: لم لا تشكو هؤلاء الأطفال لآبائهم؟ فقال لهم: اسكتوا - أيها المجانين - فلعلي إذا مت يذكرون هذا الفرح فيقولون: رحم الله ذلك المجنون.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٨٣