هذا هو الشأن في الحكومة عالمة خبيرة، ثم يلي هذا النظر في طبقة الأغنياء: ما سلوكهم، وما أخلاقهم، وما طبيعتهم؟ فإنهم عصب الأمم؛ إن ساءت أخلاقهم واستعملوا أموالهم في الفساد، ولم يأنفوا أن ينتهكوا الحرمات، وغلبهم الجشع فابتزوا أموال الفقراء لينفقوها في شهواتهم، ويبددوها في لذاتهم، وكانوا من الشره بحيث لا يترفعون عن أي دنيئة، ولا يتحرجون من أي وسيلة، لا يهمهم إلا أنفسهم وشهواتهم، فالأمة بهم ضعيفة. أما إن هم ترفعوا عن الدنايا وواسوا الفقراء، وكان في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم، فالأمة بهم قوية. (3)
فإذا فرغنا من الرأس المدبر وهو الملك قديما والحكومة حديثا، وفرغنا من النظر في الأغنياء من هم، وما موقفهم من أمتهم، نظرنا ثالثا إلى طبقة الحكام، كرجال الإدارة، ورجال القضاء وغيرهم ما شأنهم: إن كانوا ينظرون إلى أنفسهم فحسب، ولا ينظرون إلى من يحكمونهم، وكانوا قصيري النظر في معاملتهم الناس، لا ينظرون إلا من قريب جدا، ولا يحسبون إلا حساب ما ينالهم من مال، ولا يدخلون في حسابهم إلا دنياهم لا آخرتهم، ويحكمون الناس لا للناس ولكن للمدير أو الوزير، تمشيا مع تيار الحكومة الحاضرة وحسب أهواء الحزب الغالب، فهم مصدر ضعف الأمة ومظهر من مظاهر انحطاطها.
وإن حكموا الناس لله وللناس، وراعوا آخرتهم كما راعوا دنياهم، عرفوا أن المنصب واجب يؤدى لا قنطرة يعبرون عليها لمصالحهم الخاصة، وأيقنوا أن لا بأس من أن تضحي بالوظيفة لخدمة الحق، ووسعوا نظرهم فحسبوا حساب الغد كما حسبوا حساب اليوم، فهم مصدر قوة للأمة ومظهر من مظاهر رقيها. •••
حكومة مطلعة خبيرة واقفة على بواطن الأمور وظواهرها، وأغنياء ازدانوا بالعزة والأنفة، والحدب على البائس والفقير، وحكام يحكمون الناس بالحق وللحق؛ هذه هي دعامات الأمة الراقية في نظر هذا السياسي القديم. •••
ولعلك بعد مشتاق إلى معرفة هذه الوثيقة القديمة التي اعتمدت عليها في هذا البيان، فلأجب رغبتك وأقدمها لك بنصها:
ذكروا أن ملكا من ملوك العجم كان معروفا ببعد الغور، ويقظة الفطنة، وحسن السياسة، وكان إذا أراد محاربة ملك من الملوك وجه إليه من يبحث عن أخباره وأخبار رعيته قبل أن يظهر محاربته ... فكان يقول لعيونه: انظروا (1) هل ترد على الملك أخبار رعيته على حقائقها، أم يخدعه عنها المهدي ذلك إليه. (2) وانظروا إلى الغني في أي صنف هو من رعيته. أفيمن اشتد أنفه وقل شرهه أم فيمن قل أنفه واشتد شرهه؟ (3) وانظروا في أي صنف رعيته القوام بأمره، أمن من نظر ليومه وغده أم شغله يومه عن غده؟ فإن قيل له: لا يخدع عن أخباره، والغني فيمن قل شرهه واشتد أنفه، والقوام بأمره من نظر ليومه وغده. قال: اشتغلوا عنه بغيره. وإن قيل له ضد ذلك. قال: نار كامنة تنتظر موقدا، وأضغان مزملة تنتظر مخرجا، اقصدوا له.
هذه هي الإجابة من الأدب القديم، وتلك هي الإجابة من الأدب الحديث، أتركها بين يديك - أيها القارئ الكريم - لتوازن ما شئت وترجح ما شئت وتنقد ما شئت، وتقبل أو ترفض ما شئت.
| عقلاء المجانين ومجانين العقلاء
تنبه العرب من قديم إلى نوع من الناس «مجنون عاقل»، تصدر منه أعمال جنونية بحتة في بعض تصرفاته، فإذا حدثته فأديب ظريف، أو صوفي واصل، أو فيلسوف عميق، أو قل: إنه مجنون في ناحية، عاقل في عدة نواح؛ وهذا الضرب هو ما يسميه المحدثون بالجنون الفرعي، كالذي يعتقد أن له إصبعا من زجاج؛ فهو مجنون في كل ما يتصل بهذه العقيدة، يخاف أن تقرب حجرا إلى إصبعه حتى لا تنكسر ونحو ذلك، ثم هو فيما عدا ذلك عاقل ككل الناس.
وكان لي معلمة إنجليزية في غاية من العقل والحكمة والعلم، سألت عنها مرة بعد غيبة، فأخبرت أنها في مستشفى المجاذيب، فزرتها فحدثتني كما كانت تتحدث من قبل، في عقل وحكمة، فسألتها: لم تقيم في هذا المكان؟ فقالت: إنها فقدت إرادتها حتى لو فتحوا لها باب المستشفى لا تعرف أين تتجه. فعجبت من عقلها وتشخيصها لمرضها، وإدراكها لنفسها ونوع مرضها، وهي مع ذلك تعيش في مستشفى المجاذيب!