تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تأملت في هذه الظاهرة طويلا، وفرضت لها فروضا مختلفة، فكان أقرب الفروض في نظري أن «العربي لا يشعر إلا في بيئته».

أيد هذا الفرض عندي أني تتبعت مشهوري الشعراء في ذلك العصر فوجدت مواطنهم إنما هي جزيرة العرب أو الشام أو العراق، وهذه هي بيئة العربي، فالجزيرة هي بيئته الطبيعية الأصلية، وبادية الشام وبادية العراق امتداد بيئته، ومن طبيعتها ومن جنسها؛ فهي تستحث شعره كما تسحثه جزيرة العرب، وهي موطن له منذ العصر الجاهلي؛ فالعراق أخرج لنا جريرا والفرزدق والأخطل ورؤبة والعجاج، وكان موطن إنشادهم مربد البصرة، وهو في أوصافه يشبه سوق عكاظ في الجاهلية؛ والشام أخرج لنا عدي بن الرقاع والطرماح والوافدين إليه من البوادي، والحجاز أخرج لنا جميل بن معمر وعمر بن أبي ربيعة والعرجي وابن قيس الرقيات والأحوص وذا الرمة وغيرهم.

كل هؤلاء من فحول الشعراء خرجوا من بيئتهم الطبيعية فشعروا وأجادوا؛ أما البلاد المفتوحة كمصر وفارس والهند والمغرب فلم تخرج شاعرا عربيا يعتد به إلا نادرا، والشام والعراق إنما أخرجا الشعراء لما أسلفنا من أنهما بيئتان عربيتان قديمتان؛ ولأن الباديتين في أطرافهما تبعثان على الشعر.

ثم ننظر إلى مصر فلا نجد فيها شاعرا عربيا، وننظر في فارس فنجد أشهر شعرائها زيادا الأعجم، وهو مولى من الموالي كان ينزل اصطخر فغلبت العجمة على لسانه فسموه الأعجم، وكان في فارس بعض شعراء كنهار بن توسعه وثابت قطنه، ولكنهم شعراء في الطبقة الثالثة أو الرابعة، وبعضهم نشأ في غير فارس ثم شعر قليلا في فارس.

بل ننظر إلى كثير من الشعر الذي قاله هؤلاء العرب النازحون إلى تلك المدن المفتوحة، فنجده ليس وصفا لهذه البلاد وإنما هو حنين إلى بلاد العرب، وبكاء عليها وشوق إلى العودة إليها، كالذي قال مالك بن الريب، وقد أقام مدة بخراسان، فلما حضرته بها الوفاة حن إلى وادي الغضا فقال:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة

بجنب الغضا أزجي القلاص النواجيا

ويقول آخر:

سرى البرق من أرض الحجاز فشاقني

وكل حجازي له البرق شائق

فوا كبدى مما ألاقي من الهوى

إذا حن إلف أو تألق بارق

إلى كثير من أمثال ذلك.

فاستخلصت من هذا كله أن العربي لا يشعر إلا في بيئته، فإن هو خرج منها إلى غيرها اعتقل لسانه وأصيب بالعي، مهما كان البلد الراحل إليه من جمال الطبيعة وجمال الصناعة، ومهما توافرت بواعث الشعر.

وقبل ذلك قدم إلينا شيخ الشعراء امرؤ القيس دليلا واضحا على هذا، فقد خرج من جزيرة العرب إلى القسطنطينية، ورأى فيها عظمة الدولة الرومانية، وفخامة ملكها وجمال فنها، فلم ينطقه ذلك كله بقصيدة؛ وعجب الباحثون من هذا الجمود حتى ألجأهم إلى الشك في رحلته؛ وما تعليل ذلك عندي إلا ما أقول من أنه فارق بيئته فحصر. •••

قد يدل على صحة هذه النظرية أيضا ما روي عن هؤلاء الشعراء مما كانوا يفعلون إذا جمدت قرائحهم، ونضبت خواطرهم؛ فقد سئل كثير: كيف تصنع إذا عسر عليك قول الشعر؟ قال: «أطوف في الرباع المخلية والرياض المعشبة، فيسهل علي أرصنه، ويسرع إلي أحسنه»، وقال الأحوص:

وأشرفت في نشز من الأرض يافع

وقد تشغف الأيفاع من كان مقصدا

وحكى الفرزدق قال: «أتيت منزلي فأقبلت أصعد وأصوب في كل فن من فنون الشعر، فكأني مفحم أو لم أقل شعرا قط، حتى إذا نادى المنادي بالفجر رحلت ناقتي ثم أخذت بزمامها فقدتها حتى أتيت «ريانا»، وهو جبل بالمدينة، ثم ناديت بأعلى صوتي: أخاكم أخاكم أبا لبنى! (يعني شيطانه) فجاش صدري كما يجيش المرجل، ثم عقلت ناقتي فما قمت حتى قلت مئة وثلاثة عشر بيتا».

وكان الأبيرد الشاعر إذا خانته قريحته أخذ عصاه وانحدر في الوادي، وجعل يقبل فيه ويدبر ويهمهم بالشعر فتأتيه المعاني.

ولعل من خير ما روي في هذا الباب ما حكاه المرزباني في الموشح أن النابغة الذبياني قال للنعمان بن المنذر:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٧٩