في أوقات الرخاء ترى الجمال المتصنع والقبح المتصنع، وترى القبيح في شكل جميل والجميل في شكل قبيح؛ أما في الشدة فترى الجمال عاريا والقبح عاريا، وترى الحق حقا والباطل باطلا، وترى الأوضاع تنقلب والقيم تختلف، فيصبح لا يساوي شيئا من كنت تظنه يقوم بالألوف، ويقوم بالألوف من كنت تظن أنه لا يساوي شيئا.
حتى الموت - وهو ما يعد بحق ملك المصائب - هو الحجر الأساسي لنظام العالم، ومصلح شأنه، ولا بد من الموت للحياة، وهو بعد ذلك كما قال القائل: الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. •••
ثم الأمم لا تخلق إلا من المصائب، ولا تحيا إلا بالموت، ولا يكون زعماءها إلا الشدائد، ولا يصهر نفوسها إلا عظائم الأمور، ولا تنال استقلالها إلا بضحاياها، ولا تسترد حريتها إلا ببذل دمائها؛ وما ترك الجهاد قوم إلا ذلوا، ولا استلسم قوم للترف والنعيم إلا هانوا. تلك هي قوانين طبيعية للعالم بمنزلة قوانين الحرارة والضوء والجاذبية، لا تتغير ولا تتبدل مادام العالم هو العالم. •••
ويبلغ الرقي في بعض الأفراد أن يروا لذتهم في أن يألموا لإسعاد غيرهم، وسعادتهم في تضحيتهم.
كل امرئ فيه نواة لهذه التضحية، فهو يضحي من لذته لإسعاد أولاده وإسعاد أصدقائه؛ ولكن عظماء الناس يرون في حرية أممهم واستقلالها، وفي مبادئ العدل والحق معنى أسمى من العلاقة الشخصية بين المرء وبين أسرته أو بينه وبين صديقه، ثم يقدسون هذه المعاني السامية ويتعشقونها ويهيمون بها، فيبذلون نفوسهم لها كما يبذل العاشق نفسه لمن يحب، ويرى في ذلك لذته العظمى وسعادته الكبرى.
فهو بذلك أناني من جنس راق جدا، يرى أن سعادته وسعادة أمته شيء واحد، ويرى أن العمل لها هو بعينه العمل لنفسه. ثم هو لا يتطلب بعد ذلك جزاء ولا شكورا، كما لا يتطلب ذلك فاعل الخير لنفسه. •••
قد أرانا التاريخ - مع الأسف - أن الإنسانية لا ترقى إلا عن طريق المحن، سواء في ذلك أفرادها وأممها؛ فالفرد الذي يجد كل شيء ممهدا سهلا لا يصلح لشيء، والغني المترف الذي يجد كل ما يشاء في الوقت الذي يشاء، ثم لا يكلف نفسه شيئا أكثر من أن يستمتع بالحياة، هو نبات طفيلي يستهلك ولا ينتج، مظهر ولا مخبر، يوم تعصف به عاصفة من شدة يذهب مع الريح ولا يستطيع مقاومة؛ إنما يثبت للحياة ويصلح للبقاء من عركته الأحداث، وربته المصائب، وصلبته الكوارث؛ وهكذا شأن الأمم، أصلبها عودا أصلحها للحياة، وخير رجالها أقدرهم على التضحية؛ والأمم التي تنعم تؤذن نعومتها بفنائها؛ ولم تبلغ الأمم مثلها السامية من عدل وإخاء ومساواة وحرية إلا من طريق المصائب.
وصحة الأمم كصحة الأفراد، فالمرض ينتاب من الأجسام أنعمها وأكثرها إخلادا للراحة؛ والصحة لا تنال إلا بالأعمال الرياضية الشاقة ، وبذل الجهد المضني؛ ولا لذة للراحة إلا بعد التعب، ولا لذة للماء إلا بعد العطش، ولا للأكل إلا بعد الجوع.
كذلك الأمم لا تدرك قيمة الخير إلا بالشر، ولا الفوائد إلا بالمصائب؛ ويوم تنزل بها الكوارث تؤمن بالجد، وتحتقر التافه، وتطلب المثل. فأهلا بالموت. إذا كان فيه الحياة، وبالشر إذا كان يتبعه الخير ... و:
مرحبا بالخطب يبلوني إذا
كانت العلياء فيه السببا
| العربي لا يشعر إلا في بيئته
لفت نظري وأنا أدرس الأدب المصري العربي من عهد الفتح الإسلامي، ظاهرة غريبة؛ وهي أن عرب مصر لم يسعروا، مع توافر الدواعي لقول الشعر، فقد دخلوا مصر فرأوا مناظر تسحر النفس وتأخذ باللب - مزارع غناء، ومناظر حسناء، ونهر عجب أي عجب، وأهرام بديعة الصنع، وآثار تستخرج العجب.
ودخلوا الإسكندرية، فرأوا مدنية الرومان بفتنتها وجمالها، ورأوا البحر بسحره وجلاله، فلم يقولوا في ذلك كله شيئا.
وبعيد أن يكونوا قد قالوا ثم ذهب ما قالوه، فقد حرص الرواة الأولون على أن يرووا لنا كل ما سمعوا، حتى الأبيات التافهة في المسائل العارضة؛ وقد كان عرب مصر آلافا مؤلفة، كان أكثرهم أولا من القبائل اليمنية، ثم تتابع عرب مصر بعد ذلك؛ ومع هذا كله لم ينبغ منهم شاعر مصري، وكل ما روي لنا من الشعر الذي له قيمة في ذلك العصر هو ما وفد به الوفود على عبد العزيز بن مروان يمدحونه بمصر؛ مثل شعر عبيد الله بن قيس الرقيات، ونصيب، وكثير عزة؛ وهذا لا يعد شعرا مصريا إلا بضرب من التجوز، فقائلوه وافدون على مصر من الحجاز أو الشام، وليسوا مصريين.