تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تراك الأرض إما مت خفا

وتحيا إن حييت بها ثقيلا

فقال النعمان: هذا بيت إن أنت لم تتبعه بما يوضح معناه كان إلى الهجاء أقرب منه إلى المديح. فأراد ذلك النابغة فعسر عليه، فقال: أجلني. قال: قد أجلتك ثلاثا، فأتى النابغة زهيرا فقال: اخرج بنا إلى البرية فإن الشعر بري، فخرجا ومعهما كعب بن زهير، فقال كعب فما يمنعك أن تقول:

وذاك بأن حللت العز منها

فتمنع جانبيها أن يزولا

فقول زهير: «إن الشعر بري» هو مصداق نظريتنا، فقد نبغ وكثر وفاض في البرية ومن البرية أولا، فإن قيل في المدن فأصله من البرية.

لست أدعي أن طبيعة كل شعر برية، فهناك شعر أوروبي جلبته الحضارة، وهناك شعر عربي قيل في المدن الإسلامية العظيمة كبغداد والقاهرة؛ ولكني أدعي أن العربي الذي هو وليد الصحراء ووليد المدن العربية - التي تمت بصلة وثيقة للصحراء كمكة والمدينة - لا يستطيع القول إذا انتقل إلى مدن أعجمية كمصر وخراسان والهند والمغرب؛ فأما الشعر الذي فاض بعد ذلك فإنما فاض من أعاجم أو من أبناء العرب الذين نشأوا من أول أمرهم في المدن الأعجمية.

وتعليل ذلك في نظري يرجع إلى أمرين:

الأول:

طبيعة العربي نفسه، فهو إذا دخل المدن العجمية ورأى معيشة اجتماعية تخالف معيشته، وعادات وأوضاعا تخالف عاداته وأوضاعه، اضطربت نفسه وتشتت ذهنه، واحتاج إلى زمن طويل حتى يهدأ ويألف العيش الجديد؛ وهذا الاضطراب وتشعث الذهن لا يبعث على قول الشعر؛ ولذلك كان قائلو الشعر بعد في هذه المدن هم أبناء الجيل الثاني أو الثالث لا الأول.

الثاني:

أن طبيعة الشعر العربي الأول طبيعية بدوية، فهو يتغنى بمناظر البدو من صحراء ووديان، وحيوانات البدو من ظباء وأوعال، ونباتات البدو من شيح وقيصوم. على هذا نشأ الشعر العربي، وعلى هذا نشأ العرب الفاتحون للأقاليم؛ فلا يستسيغ ذوقهم أن يتغنوا بإيوان كسرى، ولا أهرام مصر، ولا يستسيغ ذوقهم أن يتغزلوا في النرجس والياسمين، وقد تغزل آباؤهم بنباتات الصحراء، ولا يستسيغ ذوقهم أن يشيدوا بذكر النيل والفرات، وقد شاد آباؤهم بذكر الغياض. إن الشعر في هذه الأمور الجديدة يحتاج إلى مران للذوق طويل، ويحتاج إلى ثورة من الشاعر العربي، والشاعر العربي ليس ثائرا في شعره، إنما هو محافظ أشد المحافظة. فلما حرم العرب ساكنو الأقاليم الجديدة من رؤية القديم حتى يشعروا فيه، وحرموا الثورة والذوق الجديد حتى يشعروا في الجديد، حصر لسانهم فلم ينطقوا بقديم ولا جديد.

هذه فكرة أعرضها على القراء ليبحثوها ويقلبوها على وجهها، وليؤيدوها أو ينقضوها، فلا نريد إلا الحق.

وهي إن صحت حلت لنا مشاكل يعانيها الباحث ولا يرى لها حلا؛ لم لم يشعر عرب فارس في جمال فارس ، وعرب مصر في جمال مصر، وعرب الهند في جمال الهند؟ ولم لم يقولوا فيها ما قالوا في جزيرة العرب ومجال القول فسيح؟ ولم ضعفت دولة الشعر في البلاد المفتوحة حتى نشأ جيل جديد من الموالي وأشباههم؟ ولم ظلت طبيعة الشعر العربي بعد الفتح فترة طويلة من الزمان كما كانت قبل الفتح من حيث الأسلوب والموضوع؟ ولم لم ينبغ في البلاد المفتوحة من الشعراء ما نبغ في الحجاز وبادية الشام وبادية العراق مع تيسر الأسباب، ووفرة بواعث الشعر؟

كل هذه المسائل وأشباهها يحلها فرضنا «أن العربي لا يشعر إلا في بيئته».

| عنوان القوة في الأمة

سؤال يرد على الذهن كثيرا: بم تعرف الأمة القوية؟ إذا نظرت إلى أمة وأردت أن تخبر موضعها من القوة والضعف، فبأي المرافق تعنى، وأي الاتجاهات تتجه، وبأي المظاهر تستدل؟ وما العناصر التي تعدها أساسية فتتحراها، وأيها تعدها ثانوية فتتخطاها؟

عرضت لي في هذا الأمر إجابتان: إجابة من الأدب الغربي الحديث، وإجابة من الأدب العربي القديم، أقدمهما للقارئ، لعل فيهما فائدة.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٨٠