فإن لي نصب عيني من جمالكمو
روضا نضيرا ومن عيني أنهارا
ثم بحرا:
عرق النوم في بحار دموعي
رحم الله سلوتي وهجوعي
وأتى الطيف زائرا فرآني
بين بحرى مدامعي ونجيعي •••
هذا من نايحة الكم، وأما من ناحية الكيف فقد جعلوه بدل الماء دما:
ولما وقفنا للوداع عشية
وقد خفقت في ساحة القصر رايات
بكينا دما حتى كأن جفوننا
بجري الدموع الحمر فيها جراحات
وقال آخر:
وقد صرت أبكي كل شيء بمثله
لأني فرد في الصبابة والوجد
فثغرك أبكيه بأبيض أدمعي
وأحمرها أبكي به خدك الوردي
ثم جعلوه عقيقا أو مرجانا:
لست أنسى ساعة البين وقد
وجم الشائق منا والمشوق
ورجوعي بدموعي عاثرا
لست أدري بعدهم أين الطريق
كلما أم العقيق امتزجت
أدمعي فهي جمان أو عقيق •••
قد كان دمعي أبيضا حتى إذا
رحلوا غدا للهجر أحمر قان
يجري بمجرى وجنتي فيمتلي المر
جان من عيني بالمرجان •••
ثم إذا كان الدمع أبيض فهو نجوم:
عيناي مذ شظ المزار بكم
تحكي سما والدمع أنجمها
أو لؤلؤ ودر:
هو ذلك الدر الذي ألقيتمو
في مسمعي ألقيته من أدمعي •••
وسالت على خدي من لوعة الجوى
سيول دموع خضتها ثم عمتها
لآلئ دمع من لآلئ ثغرها
ففي وقت لثمي كنت منها سرقتها •••
ثم ادعوا أن الدموع نفدت بأحمرها وأبيضها، ولم يبق إلا ما يذوب من النفس، كالذي يقول:
وليس الذي يجري في العين ماؤها
ولكنها نفس تذوب وتقطر
وخطوا خطوة أخرى فزعموا أن العين ذهبت ولم يبق لها أثر:
أبكي وتبكي الحمام لكن
شتان ما بينها وبيني
تبكي بعين بغير دمع
ولي دموع بغير عين •••
وليس هذا الاستعراض كل ما في الكتاب؛ فهناك ناحية أخرى بديعة، هي تتبع الحالة النفسية التي تنتج من الدمع أو تصحبه، فهو فاضح السر وكاشف الستر:
لا جزى الله دمع عيني خيرا
وجزى الله كل خير لساني
ثم دمعي فليس يكتم شيئا
ووجدت اللسان ذا كتمان
وهو شاهد الحب:
أنا صب وما دمعي صب
وأسير، من الضنى في قيود
وشهودي على الهوى أدمع العي
ن ولكنني قذفت شهودي
ثم إن الدمع يتحير في الجفون مخافة الرقباء:
وقفنا والعيون مثقلات
يغالب طرفها نظر كليل
نهته رقبة الواشين حتى
تعلق لا يغيض ولا يسيل
ثم في الدمع تخفيف الهم، وتلطيف الحزن، وفرجة الكرب:
لا تلم في البكاء فالدمع لو لم
يجر في الخد كان في القلب جمرا •••
أرسل دموعك يوم البين إن بانوا
إن الدموع على الأحزان أعوان •••
دعوني ودمعي عسى فيضه
به تنطفي نار قلبي المروع
فمن شؤم حظي في الحب أن
أرى راحتي في انسكاب الدموع
ثم إن الدمع انتقام عادل من العين، إذ هي التي جرت على القلب ما جرت:
لأعذبن العين غير مفكر
فيما جرت بالدمع أو سالت دما
ولأهجرن من الرقاد لذيذه
حتى يعود على الجفون محرما
هي أوقعتني في حبائل فتنة
لو لم تكن نظرت لكنت مسلما
سفكت دمي فلأسفحن دموعها
وهي التي بدأت فكانت أظلما
ولكن آخر يأمر العين بالكف عن البكاء رحمة بها، وأملا في سلامتها حتى ترى محبوبها:
سأضمر في الأحشاء عنكم تحرقا
وأظهر للواشين عنكم تجلدا
وأمنع عيني اليوم أن تكثر البكا
لتسلم لي حتى أراكم بها غدا
ثم إن للدمع معاني ودلالات؛ فدمع ضاحك، ودمع باك:
رأت دموعي فقالت عينك ابتسمت
عن لؤلؤ بسلوك الجفن جذلان
وغالطتني في جعل البكا ضحكا
واستخونت. أينا يا مي خوان؟
ودمع حزن ودمع دلال:
أبكي وتبكي غير أن الأسى
دموعه غير دموع الدلال •••
شكوت حتى لان من قسوة
ورحت أبكي وهو لي مساعد
وقال: ها نحن سواء في البكا
لا يا حبيبي ما بكانا واحد
لا يستوي دمع على جمر الغضا
إذا جرى ودمع عين بارد
ودمع سرور، ودمع رحمة:
رحت يوم الفراق أضحك حزنا
ولفيض السرور يبكي المروع
وكذا في اللقاء أبكي هناء
ولفرط السرور تهمي الدموع •••
وقفت في الروض أبكي فقد مشبهه
حتى بكت بدموعي أعين الزهر
لو لم أعرها دموع العين تسفحها
لرحمتي لاستعارتها من المطر •••
وأخيرا فرغ الشعراء من بكاء العين، فتخيلوا البكاء من غيرها، فالسحاب يبكي: