تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتوالت على الرهبان أدوار من سلم واضطهاد، وخوف وأمن، ألجأتهم إلى أن يجعلوا الدير حصنا حصينا يمتنعون به عند الحاجة، ويستقلون به في معيشتهم؛ ففيه عين الماء، وفيه الطاحون والفرن، وفيه مخازن الغلال؛ كما تحصنوا بكتاب زعموا أن محمدا رسول الله أمنهم فيه في رحلة من رحلاته، وكتبه علي بن أبي طالب وختمه الرسول.

وفي الدير كنائس متعددة، ومسجد قيل: إنه بني لاسترضاء السلطان سليم، ولكن فيه من الآثار ما يدل على بنائه قبل هذا العهد، وأغلب الظن أنه بني إرضاء للمسلمين، حتى يكون الدير محل احترام المسلمين والنصارى على السواء.

وأثر ضعف الرهبنة في هذا الدير، فلم يبق فيه إلا نحو ستة عشر راهبا على مذهب الروم الأرثوذكس، وخارج البناء كنيسة فيها حجرة ملئت بالجماجم وأشلاء الإنسان ممن قتلوا أو ماتوا من الرهبان، حفظت تلبية لرغبة الإنسان في البقاء.

طفنا بالدير، وخرجنا منه إلى جبل موسى، وصعدنا حتى تعبنا فلم نبلغ قمته، وإن بلغت نفوسنا عظمته، وشعرنا برهبته، وذكرنا موسى، وذكرنا الألواح، وخفقت قلوبنا للذكريات، واهتزت نفوسنا لجمال المنظر وسحر المكان.

ثم عدنا إلى الدير، وراعنا أن سيارة من سياراتنا كان فيها «راديو»، فتحه السائق فغنى، فشعرت أنه غير منسجم مع المكان، ينقل إلى أعمق البداوة نهاية الحضارة؛ وكان منظر يشبه منظر البدوي إذا لبس قبعة، أو وضع في فمه «بيبة». ولكن ما كان أشد رهبتي إذ رأيت ثلاثة من رهبان الدير دخلوا السيارة يستمعون إلى غناء الراديو.

سبحان الله! أهذا هو الإنسان الذي هرب من المدنية فلم يطق الصبر على الهرب منها، فعاد يتعلق بأسبابها؟ أهذا هو الإنسان الذي أراد أن يتفرغ لعبادة الله فضاق عنها لسماع «أم كلثوم»؟ إن الإنسان في كل شأن من شئونه عجب أي عجب!

وعدنا كارهين العودة - يا أخي - كما كرهتها، وعدنا للإنسان عودة الراهب لسامع الراديو، وعدنا نتعاون في إنشاء المدارس وتكوين وزارة معارف، ونبدأ من حيث انتهينا.

فإلى اللقاء ...

| دمع العين

لقد حدثتك قبل - أيها القارئ الكريم - كيف اهتم أدباء العرب بالعيون، وأكثروا من التأليف فيها والحديث عنها، وعرضت لك كتاب «سحر العيون» وما فيه من دقة وجمال.

واليوم أعرض لموضوع في العيون أطرف، فقد رأى مؤلف آخر ظريف أن العيون موضوع واسع لا يصح أن يؤلف فيه كتاب واحد، بل إن كل شيء للعيون جدير أن يؤلف فيه كتاب؛ فلئن كان أطباء العصر الحاضر قد بلغ مدى تخصصهم في الطب أن يجعلوا للعين بجميع أجزائها طبيبا خاصا، فأدباء العرب في العصر الماضي عز عليهم أن يؤلفوا في العين على اختلاف مظاهرها وفتنتها كتابا واحدا، فافتنوا في وضع الكتب للعين، هذا في سحرها وهذا في دمعها.

وصاحبنا اليوم صلاح الدين الصفدي الأديب المؤرخ المشهور (696-764ه)، وضع كتابا سماه «تشنيف السمع بانسكاب الدمع»؛ ولست أدري أكان موفقا في هذه التسمية أم غير موفق! إنما الذي أدريه أنه كان موفقا في فكرته، موفقا في تأليفه.

لقد لحظ فكرة النشوء والارتقاء، فتتبع أقوال الشعراء كيف بدءوا يذكرون الدمع ذكرا ساذجا، كالذي قال امرؤ القيس: «قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل»

ثم أخذوا يبالغون فيه شيئا فشيئا، فتقدم شاعر آخر خطوة، وقال: إنه فيض، فقال قيس بن ذريح:

هل الحب إلا زفرة ثم عبرة

وحر على الأحشاء ليس له برد

وفيض دموع تستهل إذا بدا

لنا علم من أرضكم لم يكن يبدو

ثم جعلوه مطرا كالذي يقول:

أظهر الكبرياء زهوا وتيها

فتلقيته بذل الخضوع

وحباني ربيع خديه بالور

د فأمطرته سحاب دموعي

ثم خطوا خطوة أخرى فجعلوه سيلا:

ولما أبى الواشون إلا فراقنا

وما لهمو عندي وعندك من ثار

غزوتهم من مقليتك وأدمعي

ومن نفسي بالسيف والسيل والنار

ثم جعلوه نهرا:

أحبابنا إن نأت بي عن دياركمو

دار وفارقت أوطانا وأوطارا

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٧٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٧٣