ربى شفعت ريح الصبا لرياضها
إلى المزن حتى جادها وهو هامع
كأن السحاب الغر غيبن تحتها
حبيبا فما ترقا لهن مدامع
والساقية أو الناعورة أو الدولاب يبكي:
لله دولاب يفيض بجدول
في روضة قد أينعت أفنانا
فكأنه دنف يدور بمعهد
يبكي ويسأل فيه عمن بانا
ضاقت مجاري جفنه عن دمعه
فتفتحت أضلاعه أجفانا
والقلم يبكي:
ما أبطأت أخبار من أحببته
عن مسمعي بقدومه ورجوعه
إلا جرى قلمي إليه خافيا
وشكا إليه تشوقي بدموعه
والسيف يبكي:
تبكي صوارمه يوم الوغى بدم
وذلك الدمع للدنيا به ضحك
ثم يفلسف «النظام» البكاء فيجعل الضمير يبكي:
ذكرتك والراح في راحتي
فشبت المدام بدمع غزير
فإن تنفد الدمع نار الأسى
بكتك الحشا بدموع الضمير •••
رحم الله آباءنا الأولين، فقد جالوا كل مجال، وتفننوا كل فن، ولم ينقصهم إلا أن يبني أبناؤهم على آثارهم، ويجددوا ما تهدم من بنيانهم، ويشيدوا ما يتطلبه زمانهم، وما هو أشبه بنفوسهم.
| جمل يطير وجمل يسير
لفت نظري - وأنا أقرأ «للمطهر المقدسي» في كتابه «البدء والتاريخ» - وصفه لجماعة من أصحاب القلانس والمجالس الذين يشحنون صدور العامة بترهات الأباطيل، ويقصون على الناس غرائب العجائب، ثم يقول في وصفهم: «إن الحديث إليهم عن جمل طار، أشهى إليهم من الحديث عن جمل سار».
وهل الدنيا كلها أيها «المطهر» إلا هؤلاء؟
كل العالم يصدق جملا يطير، ولا يصدق جملا يسير، يصدق المحال، ويكذب الواقع، ذلك دأبهم في كل شأن من شئون الحياة.
إن قلت: إن اللغة العربية خير اللغات، وآدابها خير الآداب، وإن اللغة العربية، أو الأدب العربي كامل مكمل، ليس فيه نقص ولا عيب، ولا يحتاج إلى نوع ما من الإصلاح، وإن اللغة العربية بزت لغات العالم، والأدب العربي لا يدانيه شيء من آداب العالم؛ فذلك جمل يطير، إن قلت به صفق لك الناس طربا، وشادوا بذكرك إعجابا وعجبا، وعدوك العالم الحق، وقائل الصدق. وإن قلت: إن اللغة العربية ككل اللغات، والأدب العربي ككل الآداب، فيه نواحي القوة ونواحي الضعف، وفيه ما يحسن وما لا يحسن، وفيه وجوه النقص التي يجب أن تكتمل، وفيه وجوه التخلف التي يجب أن تستقصى حتى تصلح، فهذا جمل يسير، لا يصدقك الناس فيما تقول، ويرمونك بقول الزور والبهتان، وما شئت من ألفاظ منتقاة.
فذلك جمل يطير، وهذا جمل يسير.
وإن قلت في التاريخ من أول عهده إلى اليوم ما يرضي الحكام والولاة والشعوب، فرفعت من شأنهم ولو زورا، وغلوت في مفاخرهم ولو كذبا وسكت عن مساويهم ولو كانت صارخة، وعمدت إلى اتجاه عواطفهم فسرت معها، وقصدت إلى الأوتار التي تطربهم فغنيت عليها، وشهرت بخصومهم، وقللت من شأنهم، وكذبت في إنكار فضلهم، وكان لك من البلاغة ما استطعت به أن تقلب الحق باطلا والباطل حقا، وتجعل السماء أرضا والأرض سماء، والحلو مرا والمر حلوا؛ واستطعت بفصاحتك أن تظهر مهارتك في اختراع حجج تشوه بها وجه الصدق، وتجمل بها وجه الكذب، فهذا جمل يطير، إن قلت به فأنت المؤرخ وأنت البطل، وأنت البليغ، وأنت الذي يغدق عليه المال، وأنت الذي يمنح خير الألقاب، وأنت الحقيق بأن يقام له تمثال؛ وأما إن أنت لم تعبأ بميول الحكام والولاة وعواطف الشعوب، وأخذت تحلل كل خبر وتتبين بواعثه ودوافعه كما يحلل الكيمياوي المادة في معمله، وتصدر حكمك لا تراعي فيه إلا الحق، فتارة يرضى العواطف، وأحيانا يغضبها، وأحيانا يرضى الرأي العام، وأحيانا يغضبه ويهيجه، وأنت لا يهمك أرضي أم غضب، وكره أم حب، ولا يهمك أتفق رأيك ورأي الناس، أم خالفهم، وتعمد إلى ما يعده الناس من وثائق فتهزأ بها، وإلى الإشاعات فتتحراها وتركزها في بوتقتك، وتشعل تحتها النار فتبخرها، وتصدر حكمك على من يسميه الناس بطلا فتنكر بطولته، وعلى من يعده الناس سافلا فتعرضه نبيلا؛ إن فعلت ذلك فهذا جمل يسير. فأنت الفقير، وأنت الثقيل، وأنت المتفلسف، وأنت المتعجرف، وأنت الذي ترمي بأن لا وطنيه له ولا شعور عنده، وأنت الذي يطرد ويبعد ويشرد.