تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عند ذلك - يا أخي - كنت أغضب وكنت أثور، وكان يتقطع حلمي اللذيذ في الصحراء، وكنت أتساءل: أين حكوماتنا التي أهملت الصانع كما أهملت الزراع، وأهملت الأراضي المعدنية كما أهملت الأراضي الزراعية؟ وأين رجال العلم منا الذين يجهلون ما في بلادهم، حتى يأتي إليها غير أهلها، فيكشفوا سرها، ويعرفوا قدرها، ويعملوا لاستغلالها؟ وأين أرباب الأموال الذين لا يعرفون من المال إلا أرضا زراعية ضاقت على أهلها؛ وإلا مضاربات على القطن تأتي على أراضيهم، فتصبح هي والمناجم سواء في تملك الأجنبي لها، ويصبح لغيرنا الغنم وعلينا الغرم، ولغيرنا الثمرة ولنا القشور؟

لسنا يا أخي نحتاج إلى مدرسة للغضب فحسب، وماذا ينفع الغضب؟ إنما نحتاج لمدارس تعلم الحكومات كيف تحمي ثروتها، وتستغل مناجمها؛ وتعلم رجال العلم كيف يعلمون أن في أرض مصر ثروات تفوق ما في الوظائف الوضيعة، وتعلم رجال المال أن استثمار أموالهم في الأوراق المالية هو استثمار العجائز، واستثمار أموالهم في الأراضي الزراعية استثمار القرون الخالية، وأنه يجب أن يعيش أقوياؤنا لزمنهم فيستنجموا، كما يعيش ضعفاؤنا للأرض، فيزرعون ويقلعون. •••

رحماك اللهم! كلما هربت من الإنسان وهمومه، لحقني الإنسان بغمومه، حتى في جوف الصحراء المؤنسة بوحشتها يلاحقني الإنسان الموحش بإنسيته! لا.. لا.. لا بد أن أغلق ذهني دونه، وأجرد نفسي منه، وأفرغ للجبال والوديان، واحتضن الطبيعة شوقا إليها، وأركز جمالها في قلبي هياما بها؛ لأدع منابع الزيت في «السويس»، ومناجم المنجنيز في «أبي زنيمة»، ومناجم «الجبس» فيما لا أدري اسمه، ولأمتع النظر بالجبال الحمراء والصفراء والبيضاء والسمراء، وبالشمس على قمم الجبال، وبالطبقات الجبلية المختلفة الألوان، وبالحصى الذي يروع حالية العذارى كما يقول الشاعر، وبحصباء الدر على الأرض من الذهب، كما يقول الآخر؛ ولأنعم بالجدب كما نعمت حينا بالخصب، وبمسيل الماء القليل ينبت في حافتيه العشب القليل، كما نعمت بمنظر النيل وفيضانه ومزارعه، فالجمال في التنوع؛ ولنسر على شاطئ البحر الجليل الجميل، ولنسمع تلاطم أمواجه، ولننعم بزرقته كما نعمنا بالوادي الذهبي وتموجاته الوديعة الهادئة؛ ولنعل ولنهبط، ولنسر في السهل والوعر، فلذات الهوى في التنقل؛ ولتغب الشمس مودعة في الشتاء بالثناء، ولتبعث إلينا ابنها البر القمر ليسيل على هذه اللا نهاية من ضوئه الفضي الرائع، وليجعل الأرض كلها شاشة بيضاء تمثل عليها الصور البديعة والمناظر الجميلة:

ففي كل شي له آية

تدل على أنه الواحد

وهذه السيارات تطوي الأرض طي السجل للكتب، لا تكل ولا تمل، وتعمل في المناظر عمل محرك الصور في السينما، فتنقلنا من صورة إلى صورة، وتنسينا مشقة السفر وتنسينا أنفسنا، فإذا نحن وهي والأرض والسماء واحدة، وتنقلنا من سهل إلى جبل، ومن جبل إلى سهل، ومن رحب إلى واد، ومن واد إلى بحر، ونحن سكارى بالجمال، نشرب من مناظره حتى الثمالة. •••

الله أكبر! نحن الآن في منتصف الليل، وقد بدأنا سيرنا من السويس في مطلع الفجر، وهذه هو الدير.

ما أقسانا! نقرع الأجراس على الرهبان في سكون الليل العميق، فنقطع عليهم نجواهم، ونحرمهم سكونهم ونومهم ودفئهم؛ ولكن ما الحيلة في الإنسان؟ لقد هربوا منه فلحقهم، وفروا منه فلجأ إليهم، احتموا منه في البعد السحيق، وسط الجبال الشامخة في الصحراء الموحشة، فعرف مكمنهم وأدركهم!

لا بد مما ليس منه بد - فقد فتح لنا الراهب بعد لأي، واستقبلنا بزيه الكهنوتي ومصباحه المتواضع، ودخلنا الباب سجدا، وصعدنا الغرف، وشربنا الشاي لندفأ وذهبنا إلى منامنا لنستجد، ولنرتقب النهار لنرى الدير وما حوله في ضوء الشمس.

هذا هو دير «سانت كاترين» الذي بناه جوستنيان سنة 530م في حضن جبل موسى أو جبل سينا الذي ورد ذكره في التوراة، وأمده جوستنيان بمئة من الرومان ومئة من المصريين بنسائهم وأولادهم ليقيموا حول الدير، يحمونه من عدوان من حلوهم، وليخدموا الرهبان فيه ، وقد تناسل هؤلاء وتكاثروا، وأخضعتهم الصحراء لبدواتها وعروبتها وإسلامها، فتبدوا وتعربوا وأسلموا، ولا يزال نسلهم حول الدير إلى الآن، يختلط فيهم أثر الرومان بأثر «العربان».

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٧٢