تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هيا بنا أيها الأصحاب إلى الدير، فما حيلتنا وقد انقطع نظام التكايا والخانقاهات في الإسلام، وبقي نظام الأديار في النصرانية؟ وكان القائمون بها ذوي ذوق في اختيارها، فقد زرنا أديارا كثيرة في الصحراء، حرص منشئوها على أن تكون بعيدة عن الناس، قريبة من الله، قريبة من الطبيعة وحسنها غير المجلوب كما يقول المتنبي، وحيث الماء الذي هو مبعث الحياة، وحيث صفاء الجو، وصفاء النفس.

وها هم أولاء رفقة كأن أخلاقهم سبكت من الذهب المصفى، وكأن شمائلهم من قطر المزن، وها هي السيارات التي تنهب الأرض نهبا مكان الجمال التي كانت تخب خبا، وها هو الأستاذ «الدمرداش» القائد الخريت، العالم بالمسالك والمهالك، الذي خبر صحراء مصر وجبالها شرقا وغربا، وعرف أسرارها، وعرف كيف يدبر لها، وينظم الرحلات إليها، ويطبق النظام العسكري عليها، في دقة وإحكام، وفي مرح وسرور أيضا.

لم تثر فينا - يا أخي طه - هذه الرحلة غضبا كما أثارت فيك رحلتك، بل أثارت فينا معاني أخرى تخالف الغضب كل المخالفة، أثارت عندنا شعورا بضعة الإنسان أمام قوة الله القاهرة، ومظهرها في سلاسل الجبال الشامخة والوديان الباهرة، والمرتفعات والمنخفضات التي لا نهاية لها؛ وتقبلنا بين سلطان الشمس في النهار بدفئها وعظمتها، وسلطان القمر في الليل بجماله وبهائه، ورقته ووداعته.

ولم يكن من فرق بيننا وبينك، إلا أنك في رحلتك انغمست في الإنسان، ونحن في رحلتنا هربنا من الإنسان ، وحيث لا إنسان لا غضب ولا حقد ولا نزاع، فإذا أكلنا أكلنا في الصحراء، حيث لا يحسدنا أحد، ولا يغبطنا أحد، ولا ينظر إلينا إلا الله الذي يرحمنا ويشفق علينا، وقد يسخر منا.

ولكني لا أكتمك أني شاركتك حينا في اقتراح مدرسة الغضب، فكأننا كنا ملهمين إلهاما واحدا، أو أن شيطاننا واحد كما يقول الشعراء. ولكن كان الغضب حيث كان الإنسان؛ فقد قطعنا في سيرنا في الصحراء المسافات الشاسعة، نلهو ونلعب، ونسر ونفرح، ونغفل ونذكر، وتتوالى علينا العواطف المختلفة إلا الغضب؛ ولكن مع الأسف، والأسف الشديد، كنا بين حين وحين يوقعنا سوء حظنا في ملاقاة الإنسان فنغضب. نقطع المسافات البعيدة في الصحراء الجرداء في هدوء واطمئنان، ثم نصطدم بمجموعة من الناس تسمى في عرف المدنيين «شركة»، وفي عرف اللغة والحق «امتصاص دماء»، و«استغلال الأرواح للذهب» و«تحويل النفوس البشرية إلى أوراق مالية».

وكان الأمر يهون لو كان المستغل والمستغل مصريين، إذا لقلنا: إن مصر استعبدت مصر، وبعض مصر أكل بعض مصر؛ ولكن هذه شركة «جبس» يونانية، وهذه شركة «منجانيز» إنجليزية، وفي الناحية الأخرى شركة «فوسفات» إيطالية. ولم نسمع في هذا الطريق ولا فيما سرنا فيه قبل من طرق شركة مصرية، فالمعادن من بلادنا، واليد العاملة يدنا، والغلة لغيرنا.

لقد غضبت - يا أخي - عند ذاك غضبا أشد من غضبك، إذ علمت أن في الصحراء ثروة تبلغ أضعاف ما في الأرض الخصبة من ثروة، فهذه طين، وتلك ذهب، وعلمت أن هذه الجبال التي كنت أظن أنها لا تصلح لشيء إلا لخيال شاعر، قد كشف فيها العلم عن مناجم أشكال وألوان، تدر المال الوفير والخير الكثير، وعلمت أن الله تعالى قد منحنا هذه الكنوز وحرمنا كنز العقل وكنز الخلق، فجاء قوم حرموا هذه الكنوز ومنحوا كنز العقل وكنز الخلق، فغلبونا على كنوزنا وعلى عقولنا وأخلاقنا؛ وكان لنا العمل الوضيع، ولهم الثراء الواسع، ولنا الفتات ولهم المائدة.

وعلمت أن هؤلاء العمال المصريين يعملون في هذه المناجم في مقابل عشرة قروش في اليوم أو أقل من ذلك قليلا أو أكثر من ذلك قليلا، ثم لا يستطيعون أن يعملوا أكثر من نصف سنة، إذ تسوء بعد صحتهم، وتذبل أجسامهم، ولا يصلحون بعد ذلك للعمل ولا للحياة، فيعودون إلى بلادهم وقد كسبوا بضعة جنيهات في أيديهم وخسروا نفوسهم؛ وكسب غيرهم الصحة والمال والجاه؛ وتدفق المال في أوروبا، وتدفق المرض وسوء الحال في مصر.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٧١