ويلي ذلك أن يمدهم الأدب العربي بمعلومات صحيحة مفيدة، تنفعهم في حياتهم، وتفتق ذهنهم، وتجعلهم أقدر على فهم الحياة، حياتهم الواقعية وحياة آبائهم.
ويلي ذلك أن يستطيعوا تذوق ما في القطع الأدبية من جمال، سواء من حيث اللفظ أو من حيث المعنى؛ فإن تذوق الجمال الفني غرض هام، نستطيع أن نقصد إليه ونهتم به.
ويلي ذلك أن نهيئ من له استعداد للأدب أن يكون أديبا، وهذه كلها تتدرج في الشمول حتى يكون الأخير في القمة. - إني أوافق في الجملة على هذه الأغراض، وإن كنت أخالف في تربيتها، وأرى أن هناك أغراضا غير هذه؛ ولكني أدع المناقشة في هذا الآن، وأقول: إذا سلمنا بهذا فيجب أن ننظر للبرامج في ضوء هذه الأغراض، وإنا إن فعلنا ذلك وصلنا إلى نتيجة هامة. وهي أنه يجب توزيع العناية بما نعلمه في اللغة العربية وآدابها على مقدار الشمول وعلى مقدار أهمية الغرض؛ فيجب أن يكون تصحيح العبارة في القول والقدرة على الفهم في المنزلة الأولى من حيث البرنامج الموضوع، ومن حيث توجيه العناية، ومن حيث ما تعطى من زمن، ثم تقل هذه العناية كلما صعدنا إلى القمة.
وفي ضوء هذا النظر يجب أن نقلل من التعليم الفلسفي ما أمكن، ففلسفة الإعراب في النحو، وفلسفة البلاغة التي لا ينبني عليها عمل، والنظريات في تاريخ آداب اللغة من حيث أسباب رقي كذا وضعف كذا، يجب أن تكون كلها في المنزلة الثانية أو الثالثة؛ لأنها لا توافق إلا عددا قليلا من الطلبة.
كما يجب أن نفرق في التدريس للسنة التوجيهية بين القسم العلمي والقسم الأدبي، فنعني للعلميين بالغرض الأول ونتوسع فيه، ونعني للأدبيين بسائر الأغراض. •••
بدأ أحدهم يرد على هذا الكلام ويفنده، وتبين من ملامحه أنه استعد استعدادا عظيما لتحطيم هذا الرأي، واستوى في جلسته وبدأ يقول: إن هذه الآراء كلها آراء غير ناضجة، ويجب أن ...
وهنا أخرج عضو ماكر ساعته وأعلن الحاضرين بتقدم الوقت والحاجة إلى الانصراف، فانصرفوا من غير أن يجيبوا عن السؤال الأول: «ما أحسن كتاب يختار».
فإن شاق هذا النحو من الحوار كثيرا من القراء، رجوت أن أعرض عليهم من حين إلى حين «محضر» بعض الجلسات في «لجنة التأليف».
| رحلة1
وأنا رحلت - يا أخي طه - كما رحلت، فرارا من تقاليد العيد التي أفسدت العيد؛ فأصبح المرء لا يستطيع فيه أن يخلو إلى نفسه، ولا إلى أهله، ولا إلى أصدقائه، وإنما هو يستقبل أناسا في تكلف وتصنع، ويتحدث إليهم في تكلف وتصنع، ويقضي نهاره وجزءا من ليله أو مزورا، متلقيا بطاقات، رادا على بطاقات؛ متقبلا تحيات، رادا على تحيات؛ فلا يفرغ العيد إلا وقد فرغ من نفسه، وأضناه التعب، وانهدت أعصابه، وضعفت قواه.
إذا فلا بد لنا من «مدرسة» تنظم أعيادنا، وتصحح تقاليدنا، وتجعل العيد مصدر فرح وسرور، وراحة واطمئنان.
وقبل أن تنشأ هذه المدرسة، وتقوم بواجبها، لا بد أن نرحل في العيد، ونهرب من الأهل هربا من التقاليد.
ولكن إلى أين؟
إذا كان الغرض الهرب، فليكن إمعان في الهرب، وإذا كان الغرض الفرار من الناس، فليكن حيث لا ناس.
إذا فنحن نريد مكانا نستطيع أن نستريح فيه من أعمالنا؛ ونبعد فيه عما يصدعنا من أخبار وأحداث سياسية واجتماعية، ونبعد فيه عن الناس؛ لأنهم مصدر قلق دائم، ونقرب فيه من الطبيعة؛ لأنها مصدر الراحة والطمأنينة، والشعور بلذة الجمال الذي يسمو عن الغرض.
إلى دير ممعن في الصحراء، بين الجبال الشامخة، ومنظر الطبيعة القاسية، والطبيعة الجميلة، والطبيعة القوية القاهرة.
إلى دير «سانت كاترين»، حيث جبل موسى الذي تلقى منه الوحي والإلهام، ولأمر ما كان جبل موسى وغار حراء ونحوهما من الجبال مصدر الوحي والإلهام؛ ففيها ينقطع الإنسان عن العالم وشروره، ويتجرد من خيالاته وأوهامه، ويكون أقرب إلى الطبيعة على الفطرة، وأقرب إلى فهم نفسه على الفطرة، وإلى رؤية ربه على الحقيقة.