وبقدر ما كثر في هذه العصور «أدب المعدة» قل أدب الروح، من غزل عفيف، أو وصف للطبيعة ، أو ثورة نفس على سوء حال الشعوب. •••
إن كان هذا مما يسوء، فقد كان مما يسر نهضة الأدب العربي الحديث؛ فقد بدأ يتحول من أدب معدة إلى أدب روح؛ تحول من أرستقراطية إلى ديمقراطية، ومن مديح إلى وصف، ومن مقامات إلى روايات تصف الحياة الاجتماعية للشعوب، ومن عواطف شعبية أو عواطف عالمية.
وليس مما يضيرنا أنه في مبتدأ الطريق، فمن سار على الدرب وصل.
إن الشرق الآن في حاجة ملحة إلى كثير جدا من أدب الروح، وقليل جدا من أدب المعدة، فإنه مكبل بأغلال سياسية تحتاج إلى أدب يغني له بالحرية حتى يحطمها، ومكبل بأغلال اجتماعية تحتاج إلى أدب ينشد الإصلاح حتى يخلص منها، ومصاب بانحلال يحتاج إلى أدب يشعل النار تحته حتى يعقد، وفقير في اللذائذ العقلية، فلا بد له من أدب راق يغذيه، وثروة أدبية عقلية تغنيه.
لقد عاش طويلا على أدب المعدة فكان نتيجته ما نرى، فليعش من الآن على أدب الروح حتى تكون نتيجته ما نأمل.
| مستودع الذخائر
أين - تظن - مستودع الذخائر للأمة؟
قد تجيب على الفور: إنه المطارات، ومخازن الأسلحة، ومستودع القنابل، وما إلى ذلك من أماكن تكدس فيها آلات القتال وأدوات الحرب.
إن أجبت بذلك فقد أجبت بالعرض دون الجوهر، وبالمجاز دون الحقيقة.
وقد تتفلسف قليلا، فتقول: إن ذخيرة الأمة هي جيشها المسلح بعدده وعدده، ومرانه وتجهيزه، وفنونه وتشكيله.
إن قلت ذلك فقد قاربت الصواب ولم تقله، وحمت حوله ولم تقع عليه.
فما قيمة الذخائر إذا لم تجد رجالا؟ وما ينفع السيف إذا لم تك قتالا؟ إن السيف في يد الغر والحذق كالقلم في يد الأمي والكاتب؛ بل ما ينفع الجندي المسلح، إن لم يكن له بين جنبيه قلب لا يهاب ونفس لا تفزع؟ •••
الإجابة الحقة هي أن مستودع الذخائر للأمة، قلب المرأة، قلب المرأة هو الجيش الأول الذي لا قيمة لقنابل، ولا طيارات، ولا غواصات، ولا دبابات، بدونه. وإن شئت فقل: هو الطابور الخامس الذي لا يوقع الرعب والفزع في قلوب الأعداء شيء مثله.
لقد خلقت المرأة من ضلع من أضلاع الرجل، ولكن سرعان ما تغير الحال فخلق قلب الرجل من قلب المرأة. •••
يخطئ من يظن أن لبن الأم ليس إلا نسبة معينة من الدسم، ونسبة معينة من الماء، وما إلى ذلك؛ فليس هذا كله إلا تحليلا للمادة، وليست المادة كل شيء في اللبن؛ وإنما قصر تحليل الكيماويين فقصرت نتائجهم. إن في اللبن صفات خلقية، وصفات عقلية، وصفات روحية، وراء الصفات المادية، يرضعها الطفل كما يرضع مادة اللبن، فتتغذى بها روحه، وتتشكل منها نفسه؛ وليست هذه الصفات الروحية متطابقة دائما مع الصفات المادية، فقد يحلل اللبن في معامل الكيمياء فيتبين من تحليله أنه المثل الأعلى للبن، وهو مع ذلك سم خلقي ينفث الجبن، ويشيع الفساد، ويبعث الفزع والخور؛ على حين أن لبنا آخر ينقصه الدسم ويعيبه التحليل الكيمياوي؛ وهو مملوء روحا، ومملوء شجاعة ونشاطا، ومملوء قوة؛ ومن أجل ذلك صدق الشاعر إذ يقول:
ترى الرجل النحيف فتزدريه
وفي أثوابه أسد مزير
ويعجبك الطرير فتبتليه
فيخلف ظنك الرجل الطرير •••
ثم إلى اللبن الذي ترضعه الأم أولادها توعز إليهم الجبن أو الشجاعة بسلوكها؛ فإن هي ربتهم تربية الأرانب فأدفأتهم وأشبعتهم، وحاطتهم بكل ضروب العناية، ولم تسمح لهم أن يجربوا وأن يجازفوا، ثم حدثتهم من الأحاديث ما يخلع قلوبهم، ويحبب إليهم الحياة بأي ثمن، وعلمتهم أن لا قيمة للعقيدة بجانب حياتهم، ولا للوطن بجانب سلامتهم، وصاحت وولولت يوم يجندون، وفقدت رشدها يوم يسلحون. فهناك ترى صورة جند ولا جند، وترى أشكال الرجال ولا رجال، وترى أجساما ضخاما وقلوبا هواء. وإن هي ربتهم من صغرهم على المخاطرة والمجازفة، وحدثتهم أحاديث الأبطال وعظماء الرجال، وعودتهم مكافحة الحياة والتغلب على الصعاب، وعلمتهم أن المبادئ فوق الأشخاص، والوطن فوق حياة الأفراد، وعيرتهم يوم يفرون من واجب، وأنبتهم يوم يأتون بنقيصة، وفخرت بهم يوم يضحون لمبدأ، واعتزت بهم يوم يخاطرون لأمة، فهناك الرجال، وهناك العزة، وهناك الشرف.