تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ألست ترى معي بعد أن قلب المرأة هو الذي يخلق قلب الرجل؟

ويخطئ من يظن أنه يستطيع أن يؤسس جيشا من رجال بإعدادهم وتسليحهم من غير أن يدعمه بجيش من قلوب النساء؛ فالجيش بدون قلوب آلات جوفاء، وسراب ولا ماء؛ بل كل مظاهر القوة في الأمة من جيوش وأساطيل، ومجلس وزراء، ومجالس نيابية، ومصانع ومعامل، ألعاب بهلوانية ما لم يدعمها قلب المرأة. •••

قلب صفحات التاريخ إن شئت، فحيثما رأيت للأم قلبا رأيت للرجل قلبا، فإذا انخلع قلبها انخلع قلبه.

إن هندا بنت عتبة التي تخاطب الجيش بقولها:

إن تقبلوا نعانق

أو تدبروا نفارق

فراق غير وامق

هي التي أنجبت معاوية.

وأسماء بنت أبي بكر التي قالت لابنها: يا بني لا ترضى الدنية. فإن الموت لا بد منه. فلما قال لها: إني أخاف أن يمثل بي، قالت: إن الكبش إذا ذبح لا يؤلمه السلخ - هي التي أنجبت عبد الله بن الزبير.

والتاريخ مملوءة بهذه الشواهد في كل أمة.

وظلت المرأة العربية على شهامتها ومعرفتها بأمور الدنيا، ومشاركتها الرجل في كل شئون الحياة، حتى تقدم العصر العباسي فأنشئ لها «الحريم» وحبست فيه، وجهلت الدنيا وأحوالها، وأخذ الرجال يجهلون الحرائر ويعلمون الإماء، حتى أصبحت المراة ليست إلا رمزا للمتعة أو رمزا للكيد؛ وتجادل الشعراء، فمنهم من يقول:

إن النساء رياحين خلقن لنا

وكلنا نشتهي شم الرياحين

ومنهم من يقول:

إن النساء شياطين حلقن لنا

نعوذ بالله من شر الشياطين

وكلا النظرين سخيف قاصر؛ فليست المرأة ريحانة فحسب، ولا شيطانة فحسب؛ وإنما هي فوق ذلك مربى للرجال ومحضنة للقلوب ومستودع للذخائر.

بمثل هذه النظرات البلهاء فقدنا المرأة ففقدنا الرجل؛ فإن أردنا تنظيم حياتنا على أسس جديدة وجب أن يكون أولها وأولاها خلق قلب المرأة.

ليس ما يمنع أن تحيا المرأة حياة الجمال، بل هو واجب أن يكون؛ وما قيمة الدنيا إذا لم تقم فيها دولة الجمال، ودولة الفن والدب؟ ولكن يجب أن يكون بجانب الجمال الحسي جمال معنوي؛ فيه جمال حديث المرأة، وجمال رقيها وخبرتها وجمال شجاعتها وجمال قلبها، فعند ذلك نجد المرأة فنجد الرجل.

انظر الآن دور المرأة الغربية في الحرب، ولا أقص عليك ألا مثلا واضحا تلمسه في كثير مما يدور من قصص وما يتلى من أخبار، وهو أن الشبان والرجال يتعيرون كل العار أن يروا في بلادهم أيام الحرب وهم لا يحملون السلاح، ولا يشتركون في القتال أو وسائل القتال، ويحز في نفوسهم أن قد أصيبوا بعاهة أو منعهم مانع جسمي عن أن يؤدوا لوطنهم خدمة ولأمتهم عملا؛ ومن يقوم بهذا الدور الخطير من تأنيب وتعيير غير نساء الأمة؟ فتكفي نظرة من إحداهن ليفضل الرجل الموت على الحياة، وخطر الحرب على أمن السلم، وعيشة القتال على عيشة الدعة.

كل هذا يلخص لنا الأمر في جملة: شجعت المرأة فشجع الرجل، وماعت المرأة فماع الرجل. •••

ليست تعد الأمة راقية تستحق البقاء إلا إذا أرسلت الأم أبناءها إلى ميادين القتال وهي تبتسم، وودعت الزوجة زوجها إلى الحرب وهي تملؤه أملا بالعيشة السعيدة بعد النصر، وقالت الأمهات لأبنائهن ما قالت «أسماء»: «إن ضربة بسيف في عز خير من لطمة في ذل». •••

إن وراء كل جيش في الأمة جيشا غير منظور من قلوب نسائه، ووراء كل جيش صاخب جيش المرأة الصامت، ووراء البنود والأعلام والجنود والذخائر دخيرة أسمى وأرقى وأقوى وأغلى، وهي «قلب المرأة».

| حديث أمس

يجتمع في «لجنة التأليف» كل مساء خميس جماعة من صفوة الإخوان، يسمرون سمرا طيبا، ويتحدثون حديثا بريئا، ويدور الحديث حيثما اتفق، مرة في الشرق، ومرة في الغرب. ومرة في الشرق والغرب معا، تارة في أدب، وتارة في اجتماع، وتارة في اقتصاد، وقد يكون في غير ذلك جميعا؛ ويترك الحديث على سجيته، يستقيم كما يشاء، ويعوج كما يشاء؛ ولو سجل هذا الحديث كل أسبوع لكان صورة صادقة من صور بعض المجتمعات المصرية المثقفة. وقد يزورنا صديق من أصدقائنا في الشام أو العراق أو الهند، فيعرض علينا، ونعرض عليه، ونأخذ ونعطي، ويمدنا بالرأي ونمده بمثله.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٦٨