تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فنرى في العصر العباسي طغيان أدب المعدة على أدب الروح؛ هذا البارودي - رحمه الله - اختار لثلاثين شاعرا من خيرة شعراء الدولة العباسية، أمثال بشار وأبي نواس وأبي تمام والبحتري وابن الرومي وابن المعتز، واختار لهم في فنون آدابهم المختلفة، من مديح ورثاء وأدب ونسيب وهجاء وزهد، وكانت مختاراته في أربعة أجزاء كبار، فكان ما اختاره من المديح 24185 بيتا، ومن الأدب 1697 بيتا، ومن الغزل 4616، ومن الهجاء 1229، ومن الوصف 3993، ومن الزهد 473 بيتا. ونظرة واحدة إلى هذا الإحصاء تدهشنا أشد الدهش، إذ يتبين لنا طغيان أدب المعدة، وهو المديح والهجاء، على أدب الروح طغيانا كبيرا.

ثم انظر بعد إلى الفن المبتكر في العصر العباسي، وهو فن المقامات، فقد ابتدعها بديع الزمان الهمذاني، فلم يجعل محورها حبا ولا غراما كما يفعل الروائيون اليوم، ولم يجعل محورها شيئا يتصل بأدب الروح، ولكنها كلها «أدب معدة» فأبو الفتوح الإسكندري بطل المقامات كلها رجل مكر واحتيال، يصطنع جميع المهن لابتزاز الأموال، نراه مرة قرادا يسلي الناس ويضحكهم، ومرة واعظا مزيفا يعظ وينصح، ثم تنكشف حيلته فإذا هو مهرج، ومرة مشعوذا يحتال على الناس بشعوذته ليفتحوا كيسهم ويغدقوا عليه من مالهم، وهو في كل ذلك مستجد سئال محتال.

وجاء الحريري فجعل مكان أبي الفتح الإسكندري أبا زيد السروجي، وهو كصاحبه دناءة نفس وخساسة حرفة، يشخذ ثمن كفن لميت يدعيه، ويتعامى فتقوده امرأته إلى المسجد ليبتز أموال المصلين، ويجمل غلامه ليوقع الوالي في شركه فيسلبه ماله وهكذا، ويتخذ الفصاحة والبلاغة وسيلة للتكدي والسؤال.

أليس هذا كله «أدب معدة»؟

وانتشر بجانب أدب المقامات نوع آخر من أدب المعدة بمعناه الحقيقي، هو «أدب التطفيل» فقد انتشرت صناعة التطفل وحكايات الطفيليين وأخبارهم ونوادرهم، وألف لنا في ذلك الخطيب البغدادي كتيبا لطيفا سماه «التطفيل»، وهو فن يتصل بالمقامات اتصالا وثيقا، كلاهما مبني على التكدي، والسؤال في حذق ومهارة، فكان هناك طفيليون أدباء ظرفاء، يروون أحاديث الأكل، ويحفظون أشعار الموائد، ويقصون حكايات الطمع والشره؛ بدأ ذلك «أشعب» في العصر الأموي، وقفاه «بنان» وأضرابه في العصر العباسي، ينقش أحدهم خاتمة «ما لكم لا تأكلون»، وآخر «أكلها دائم»، وثالث «آتنا غداءنا» ورابع «لا تبقي ولا تذر». وتواصوا بالأكل وتواصوا بتخير الأصناف، وأنشأوا لأنفسهم نقابة في البصرة هي «نقابة الطفيليين»، ووضعوا الخطط المحكمة لمعرفة أمكنة الولائم، فأقاموا رصدا على الجزارين والطباخين حتى لا تفوتهم دعوة، وأنشأوا حول ذلك كله الأشعار من نصائح ومديح وهجاء؛ وخلف لنا الأدب وصيتين طويلتين يوصي بهما نقيب الطفيليين ولي عهده: إحداهما من إنشاء أبي إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي الأديب المعروف، والأخرى من إنشاء المولى تاج الدين عبد الباقي بن عبد المجيد اليماني، وكلتاهما في قوانين التطفل وسننه وآدابه. •••

وكثر الأدب في ابتزاز المال، وفي التطفيل وفيما يدور حولهما، وانتشرت حرفة الاستجداء واخترعت لها الحيل الكثيرة، ووضع لها علم سمي «علم الحيل الساسانية» وعرفوه بأنه «علم يعرف به طريق الاحتيال، في تحصيل الأموال»، وألفت الكتب في هذه الحيل، من أشهرها: كتاب «المختار، في كشف الأسرار، وهتك الأستار» كشف فيه حيل المحتالين وأستار الكاذبين الخ. وفيه مئتان وستة وستون بابا في الحيل المختلفة.

كل هذه ضروب من ضروب «أدب المعدة».

والذي دهور الأدب إلى هذه الدرجة طبيعة الحياة الاجتماعية في تلك العصور؛ فلم يكن للأدباء مرتزق يرتزقون منه إلى موائد الخلفاء والأمراء والأغنياء، ولم يستطع الأديب أن يستقل بنفسه في الحياة، فنتج من هذا نتيجتان طبيعيتان: الأولى: أن الأدب أصبح أرستقراطيا لا شعبيا. يدور حول المديح، وإعلاء شأن القصور، وفي مراكز الخلافة لا في غيرها، وفي الموضوعات التي تهم هؤلاء الأغنياء لا غيرهم. والثانية: أن الأديب لم يكن يغني لنفسه، ولكن للأغنياء، وأصبح الأدب أو أكثره أدبا شيئيا، لا ذاتيا وأصبحنا إذا قرأنا ما يقوله الفرنج عن تعريف الأدب بأنه «نقد الحياة» عجبنا من هذا التعريف؛ لأنا لا نرى الأدب العربي العباسي ينقد الحياة، وإنما يصف نوعا من حياة القصور، فأما الشعب فلم يوصف إلا قليلا.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٦٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٦٦