وغزل جميل وكثير والعباس بن الأحنف «أدب روح»؛ لأنه يصهر النفس ويطهرها، ويجعل من آلامها وآمالها مبعثا لفيض الحنان والرحمة والعطف على العالم وعلى الإنسانية كلها.
وأدب الطبيعة «أدب روح»؛ لأنه شعور بالجمال مجردا عن الرغبة، وتقدير للحسن منزها عن الأثرة، ومزيج من شعور بجمال وجلال يحد من كبرياء الإنسان، ويقفه من هذا العالم حيث ينبغي أن يقف.
وعلى الجملة فكل هذه الأنواع من الأدب تنبعث عن عواطف نبيلة، وتبعث أيضا على أعمال نبيلة، تنبع من عواطف سامية، وتدفع إلى أعمال سامية، وهي أليق ما تكون بالإنسان الراقي المهذب. •••
أما أدب المعدة فنريد به ذلك الأدب الذي يدور حول سد الرمق، وملء المعدة، واستدرار المال، وتحصيل القوت.
فأدب المديح «أدب معدة»؛ لأن مبعثه الاحتيال على الممدوح حتى يستخرج منه ما في يده، والغاية منه تحصيل المال ليملأ به معدته، أو يدخره ليملأ به معدته عند الحاجة إليه.
والغزل الفاجر «أدب معدة» وتعليل ذلك واضح بقليل من إعمال الفكر.
والتهاني بالأعياد والمواسم «أدب معدة»، إذ كان غايته التقرب من المهنأ به، حتى يستجلب عطفه ويستنزل رفده.
ومقالات «الكاتب» التي باعثها الأول ملء أعمدة من الصحف والمجلات، والاستيلاء بعد على «الأجرة»، فإذا لم يؤجر لم يكتب، ولا تحركه عاطفة ما للكتابة «أدب معدة».
ولعلك تعجب إذا أنا عددت كثيرا من شعر الزهد أيضا «أدب معدة»؛ لأنه يدور حول المعدة وإن كان سلبيا؛ فكما نعد مواقف الهجوم والدفاع مواقف حرب، ونعد ما يفتح الشهية وما يصدها صنوفا من صنوف المائدة، ونعد «كل» و«لا تأكل» حديث طعام، كذلك يصح أن نسمي - أيضا - الأدب الذي يثير شهوة الطعام والذي يحارب تلك الشهوة «أدب معدة». •••
وأظن القارئ الكريم يستطيع أن يحدد بعد ذلك كل ما يعرض عليه من أدب إن كان أدب روح أو أدب معدة.
الفرق بين أدب الروح وأدب المعدة هو بعينه الفرق الذي أبنته في مقالي السابق بين الدين الحق والدين الصناعي.
فأدب الروح أدب ينبعث عن النفس، كما ينبعث صوت البلبل عن نفسه، ويدل على صاحبه كدلالة ضحك الطفل البريء وبكائه على ما في نفسه من سرور أو حزن، فلا غش ولا رياء.
أديب الروح لا بد أن يغني بما نفسه ولو لم يغن لانفجر، يغني بما في نفسه كوفئ أم عوقب، وسواء قرب أم شرد، وسواء أعجب أم لم يعجب.
سقوني وقالوا لا تغن ولو سقوا
جبال سليمى ما سقيت لغنت
أما أديب المعدة فهو يغني للمضيف لا لنفسه، يتحسس المعاني التي تسر صاحب الموائد حتى يخرج له شهي الطعام ومختلف الألوان، يبيع ذوقه لذوقه وفنه لفنه.
فإن اختلفت الموائد فأدبه لأشهاها طعوما، وأدسمها صنوفا، يقاد بأنفه لا بنفسه.
أدب الروح جار على نسق واحد ونمط واحد. أما أدب المعدة فله ألوان كألوان الطعام: مديح إن أعطي، وهجاء إن حرم، هو تبع للمائدة، إن تكدس أكلها تكدس مدحه، وإن قل أكلها قل مدحه، فإن طويت طوى مديحه وبسط هجاءه؛ لذلك ترى الشاعر يمدح الرجل ويذمه، ويطريه ويهجوه، والرجل هو هو في قيمته، ولكن لم يكن هو هو في مائدته.
قد يعجب الناظر إلى أدب المعدة من الناحية الفنية، فيراع لصنوف البديع، ويؤخذ بجمال التشبيه، ويهتز لحسن التوليد، ولكن هذه الروعة من جنس الروعة التي تأخذه عند النظر إلى الألعاب النارية أو الحركات البهلوانية، تبهر العين، ولا شيء في اليدين، هو مادة صالحة لدراسة البلاغة اللفظية والبلاغة الشكلية، ولكنه ليس صالحا للبلاغة النفسية.
فإن نحن نظرنا إلى الأدب من ناحية أنه خادم للهيئة الاجتماعية ووسيلة من وسائل الرقي النفسي وأداة من أدوات الإصلاح الاجتماعي، كان أدب المعدة من هذه النواحي صفرا، بل هو كمية سلبية وعبء ثقيل. •••
مما نأسف له أنا إذا نظرنا إلى تاريخ الأدب العربي، وجدناه ينحدر - مع التاريخ - شيئا فشيئا ليكون أدب معدة .