لدى الشرق أموال كثيرة تبرع بها أهلها للخير، لدينا أموال الأوقاف الخيرية، ولدينا أموال النذور، ولدينا تبرعات المحسنين، إلى كثير من أمثال ذلك، ولكن أكثرها لا يقع موقعا حسنا عند الله وعند الأمة، وكأنه يصب في البحر صبا أو يدفن في الأرض دفنا، على أن المال الذي يدفن أو يلقى في البحر ليس له من الضرر أكثر من فقده، ولكن ضرر الإنفاق على غير مستحق يزيد الأمم بلاء والحال سوءا.
وأهم ما استوجب هذه الحالة الأسيفة في نظري شيئان: أولهما - احترام إرادة الواقف والمتبرع. فالفقهاء يرون أن شرط الواقف كنص الشارع، والواقف لا يعلم تطور الأمة ولا مطالبها ولا حاجاتها التي تختلف باختلاف الزمان؛ قد كان كثير من الواقفين لا يفهمون من وجوه البر إلا الوقف على الحرمين والمساجد والتكايا والتصدق بالخبز على المقابر، فأصبح الناس اليوم يفهمون أن من وجوه البر كذلك إنشاء المستشفيات والمدارس والملاجئ، وسيفهمون قريبا أن من وجوه البر إعانة جمعيات التأليف وإعانة الفلاحين ليحصلوا على الماء النقي؛ وليستضيئوا بالنور الكهربائي، وسيجد غير ذلك من ضروب الخير، وسيرون أن الوقف على مسجد - إذا كان المسجد قد وقف عليه من قبل ما يكفيه - ليس وجها من وجوه الخير، وسيرون أن أموال النذور تلقى في صناديق الأضرحة ليست تنفق على المعوزين والمحتاجين، فليس التبرع بها إحسانا.
كان الواجب من عهد بعيد أن تحترم إرادة الواقف والمتبرع في رغبته في الخير فقط، ولكنا لا نحترمها في وجوه الخير التي يراها هو إذا رأينا أنها ضارة أو رأينا الأمة أحوج إلى الصرف في وجوه أخرى.
رحم الله حسن باشا عاصم، فقد كان له موقف في ذلك جميل - تبرع محسن ببناء مدرسة، ووقف عليها الأوقاف التي تلزمها، وأتبعها للجمعية الخيرية الإسلامية، وكان حسن عاصم مديرا لمدارسها، ثم أراد الواقف أن يدخل ابنه في المدرسة، وكانت سنه تزيد على السن المقررة شهورا، فأبى عليه ذلك وقال: إنه تبرع بمدرسة له الشكر، ووقف عليها أوقافا فله من الله الأجر، ولكنه يريد أن يبطل قوانيننا فليس له في ذلك حق.
قد يكون من المعقول أن نقبل إرادة الواقف في أوقافه الأهلية. أما الخيرية فيجب أن تخضع كل الخضوع لمصلحة الأمة. لا أظن الواقفين إذا بعثوا من قبورهم ورأوا تطورات الأمم إلا مؤيدينا في رأينا وراجعين عن رأيهم.
والأمر الثاني وهو متصل بالأول، أن أموال الخير تصرف حسبما اتفق، لا خضوعا لدراسة اجتماعية ولا تحريا لوجه الإنفاق ولا للمنفق عليهم، فكثيرا ما يحرم البائس المحتاج، ويعطي الغني المبذر، وكثيرا ما يحرم العائل لا يجد قوته وعياله، ويعطي المدمن ينفقها في كيوفه.
إن فوضى الإحسان في الشرق من أسباب شقائه، ولو نظم لكان من أكبر العوامل في نهوضه وصلاحه.
لا أمل في هذا الإصلاح حتى ينشط رجال الأمة وشبانها للخدمة العامة، وأن يمتلئوا عقيدة بضرورة المساهمة في الإحسان بالمال وبالنشاط، وأن يطالبوا مطالبة حارة بتنظيم الإحسان حتى يؤدي غرضه على أكمل وجه مستطاع، إذا لرأينا البؤس في الأمة يتضاءل إلى حد كبير، ويحل محله كثير من الرخاء، ولرأينا المال - الذي يضيع في الشرق سدى - وقد أصبح دعامة للإصلاح، وسببا من أكبر أسباب النهضة الحديثة.
| أدب الروح وأدب المعدة
هذا اصطلاح جديد أضعه لنوعين من الأدب، يتميزان كل التميز، ويختلفان كل الاختلاف، لعل في وضعه فائدة في تقويم الأدب وصحة تقديره.
وأعني بأدب الروح الأدب الذي يتصل بالعواطف السامية عند الإنسان فيهذبها ويرقيها ويغذيها.
فالقرآن «أدب الروح»؛ لأنه يسمو بالإنسان عن عالم المادة، ويأخذ بيده إلى السماء لينظر إلى الأرض ، نظرة تريه الحق حقا والباطل باطلا.
وباب الحماسة في «ديوان الحماسة» - مثلا - «أدب الروح»؛ لأنه صادر عن نفوس قوية، وباعث لمشاعر قوية، وداع لمواجهة هذا العالم وما فيه بنفوس أبية، في غير خضوع ولا استخذاء.