ثم أخذ يفصل ما أجمل، فيذكر لنا عادات الظرفاء في كل باب من أبواب الحياة.
فقص علينا أن الظرفاء يتجنبون في الملبس الألوان الزاهية، فهو يقول: «ليس يستحسن لبس الثياب الشنعة الألوان، المصبوغة بالطيب والزعفران؛ لأن ذلك من لبس النساء، ولبس القينات والإماء». ويلتفت إلى شيء دقيق جدا، وهو أن عادة الظرفاء مراعاة الانسجام في ألوان ما يلبسون، فيختم الباب بقوله: «وأحسن الزي ما تشاكل وانطبق، وتقارب واتفق».
وأبان عادة الظرفاء في لبس النعال وألوانها، وزيهم في الخواتيم والفصوص والتعطر والطيب، والفروق الدقيقة في ذلك كله بين الرجال والنساء.
ثم ذكر عادة الظرفاء في الطعام، فهم يصغرون اللقم، ويتحرزون من الشره، ولا يزهمون ما بين أيديهم من الرغفان، ولا يلطعون أصابعهم، ولا يعجلون في مضغهم، ولا يجاوزون ما بين أيديهم، ولا يأكلون شيئا من الكواميخ والمالح، ولا يتخللون على المائدة قبل أن تفرغ. إلخ.
وقد ذكر أن أحب شيء إلى الظرفاء من الأزهار الورد، ففضلوه على غيره وأطنبوا في مدحه، وأفرطوا في نعت حسنه، وشبهوه بالوجنات الحمر، وقايسوه إلى الخمر، وحيى بعضهم بعضا به، فقال بعضهم:
عشية حياني بورد كأنه
خدود أضيفت بعضهم إلى بعض
وقال آخر:
تمتع من الورد القليل بقاؤه
فإنك لم يفجعك إلا فناؤه
وودعه بالتقبيل والشم والبكا
وداع حبيب بعد حول لقاؤه
ولا يعدل الورد عند الظرفاء في الأزهار، إلا التفاح في الأثمار، فكانوا يرون أن التفاح يهدئ أشجانهم، ويسكن أحزانهم، وليس في هداياهم ما يعادله، ولا في ألطافهم ما يشاكله، ولهم عند نظرهم إليه أنين، وعند استنشاق رائحته حنين. وقد تفننوا في إهدائه، وكتابة الأشعار ووضع الرموز عليه.
ثم نراه بعد ذلك انتقل من الظرف في الحسيات إلى الظرف في المعنويات؛ فالأدباء الظرفاء «لا يداخلون أحدا في حديثه، ولا يتطلعون على قارئ في كتابه، ولا يقطعون على متكلم كلامه، ولا يستمعون على مسر سره، ولا يسألون عما ووري عنهم علمه، ولا يتكلمون فيما حجب عنهم فهمه، والظرفاء لا يتثاءبون (في المجلس) ولا يتمطون ولا يوقعون أكفهم، ولا يشبكون أصابعهم، ولا يمدون أرجلهم، ولا يحكون أجسادهم، ولا يمسون أنوفهم ... ولهم حسن التأتي فيما يريدونه، ولطف الحيل فيما يحاولونه، وخفي التلطف لما يطلبونه، حوائجهم سرية، وسرائرهم مخفية، وحيلهم لطيفة، يوردون الأمور مواردها، ويصدرونها مصادرها».
ثم ذكر أنهم إذا أهدوا فهم يهدون الشيء اللطيف الخفيف «كالتفاحة الواحدة والأترجة الواحدة والغصن من الريحان، والطاقة من النرجس، وغير ذلك من الشيء القليل، فتستحسن هداياهم وتستظرف، ويفرح بها ويستطرف ... ومن ذلك كتبهم الملاح، وألفاظهم الصحاح، التي يستعطفون بها القلوب، ويسترون بها العيوب، وما يضمنونها من مليح المكاتبة، وطرائف المعاتبة، وجميل المطالبة وشكيل المداعبة».
وقد أحال «ما يجب على ظرفاء الكتاب» على كتاب له آخر وضعه لهذا الغرض سماه «فرج المهج» لم نعثر عليه.
غير أنه أورد في كتابنا هذا نماذج من مكاتبات الظرفاء نعرض للقارئ نموذجا منها: كتب الحسن بن وهب إلى محمد بن عبد الملك الزيات - سروري إذا رأيتك كوحشتي لك إذا لم أرك، وحفظي لك مغيبك، كمودتي لك في مشهدك، وإني لصافي الأديم، غير نغل ولا متغير، فامنحني من مودتك، مزن لذاذة مشربك، وكن لي كأنا، فوالله ما عجبت من ناحيتك إلا وأنا محني الضلوع إليك والسلام. فكتب إليه محمد - يا أخي ما زلت عن مودتك، ولا حلت عن أخوتك، ولا استبطأت نفسي لك، ولا استزدتها في محبتك، وإن شخصك لماثل نصب طرفي، ولقلما يخلو من ذكرك قلبين ولله در الذي يقول:
أما والذي لو شاء لم تخلق النوى
لئن غبت عن عيني لما غبت عن قلبي
يذكرنيك الشوق حتى كأنني
أناجيك من قرب وإن لم تكن قربي