تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا حرب في الحرب، وحرب في السلم، والمدارس حرب، والوظائف حرب، والديانات حرب، والسياسة حرب، والطبقات حرب - كانوا كذلك قديما، وهم كذلك حديثا، وهم لا يزالون كذلك ما دمت أنيابهم في أفواههم. (والله ما فسد الناس، ولكن اطرد القياس).

| الظرف والظرفاء

لما بلغت الحضارة الإسلامية أوجها، في العصر العباسي، وامتزج العرب بالفرس والهنود والأتراك وغريهم من الأمم، وكثرت الأموال وكثر الفراغ، تأنق الناس في مأكلهم ومشربهم وملبسهم وحديثهم وطريق حياتهم، وتبع ذلك وجود عادات وتقاليد للطبقة المهذبة، من تمسك بها عد ظريفا، ومن خرج عنها عد ثقيلا. ورأينا الناس في تلك العصور يلتفتون إلى الظريف ويهتمون به ويبالغون في تقديره والحفاوة به. وكتب الأدب تروي نوادر الظرفاء في أحاديثهم وأفعالهم، وذلك من أكبر ما يدل على رقة الذوق وسموه.

ومن أطرف ما في ذلك الباب كتاب معروف اسمه «الموشى» ألفه أديب اسمه أبو الطيب محمد بن إسحاق بن يحيى الوشاء، عاش في النصف الثاني من القرن الثالث الهجري، وفي أوائل الرابع، ولم نعرف حياته بالتفصيل، ولكنا نعلم أنه كان نحويا، واخذ النحو عن مشاهير النحويين أمثال ثعلب والمبرد، وأنه كان معلما في كتاب ببغداد، وألف كتبا كثيرة في النحو واللغة والأدب.

ولعل أفضل كتبه كتاب «الموشى» هذا، وقيمته الكبرى جاءت من أنه حاول فيه أن يضع قوانين للظرف والظرفاء، وأن يبين عادات ظرفهم في نواحي حياتهم؛ وكان غريبا على نحوي، وعلى معلم كتاب، أن يتجه هذا الاتجاه، فقل أن يتجه إليه إلا أرستقراطي في نزعته، غني في بيئته، متصل بالطبقة الراقية، واقف على عادتها؛ ولكنا نجد في تاريخ حياته أنه كان يعلم بعض حظايا الخلفاء، فهم يذكرون أن «منية» إحدى جواري «المعتمد على الله» كانت من تلاميذه، وأنه كان يعلم في قصور الخلفاء. فلعل هذه النزعة جاءت من هذا الاتصال بالبلاط العباسي، وناهيك بما كان فيه من ترف ونعيم، وظرافة ولباقة.

في هذا الكتاب الصغير ثروة كبيرة من الذوق، وفيه يحاول أن يضع قوانين للظرف، وفي هذا مشقة كبيرة، إذ أن هذا العمل يتطلب اطلاعا واسعا على معيشة ظراف الناس، وطرقهم في الحياة، يتطلب دقة في الملاحظة وسموا في الذوق؛ وفوق ذلك فإن الذوق من قديم صعب تعليله، وصعب شرحه، وصعب ضبطه. ولكنه تغلب على هذه الصعوبات جميعها، ونجح في عمله نجاحا كبيرا.

ففيه فصل طريف عنوانه «شرائع المروءة وصفتها»، ينقل فيه أنظار الناس إلى ما هي المروءة، فيذكر أن بعض حكماء الفرس سئل: أي شيء أشد تهجينا للمروءة؟ فقال: «للملوك صغر الهمة، وللعلماء الصلف، وللفقهاء الهوى، وللنساء قلة الحياء، وللعامة الكذب». وروى عن ابن عمر أنه قال: «ما حمل رجل حملا أثقل من المروءة»! فقال له أصحابه: صف لنا ذلك. فقال: «ما له عندي حد أعرفه، إلا أني ما استحييت من شيء قط علانية إلا استحييت منه سرا». وكان أيوب السجستاني يقول: «لا ينبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان: العفة عن الناس والتجاوز عنهم».

وهكذا ظل يروي آراء الناس من فرس وعرب وغيرهم في المروءة، ثم استخلص قوانينها. •••

وعقد في الكتاب بابا سماه «سنن الظرف»، فحدثتا فيه أنه كان يسأل العلماء والأدباء عن رأيهم في الظرف، ويسأل «بعض متظرفات القصور» عن رأيهن في الظرف، ثم قص علينا قصصا قصيرة لحوادث جرت للظرفاء، وكيف قالوا، وكيف تصرفوا. ويخرج من ذلك كله إلى قوله: «إن الظرف أنبل ما استعمله العلماء وصبا إليه الأدباء، وتزينوا به عند أودائهم، وتحلوا به عند أخلائهم. وربما تكلفه قوم ليسوا من أهله، وإنه من المطبوعين أحسن منه من المتكلفين، وللمتكلف علامات تظهر في حركاته، وتبين في لحظاته، لا يسترها بتصنعه ولا تتغيب بتستره، وإن المطبوع على الظرف ليشهد له القلب عند معاينته بحلاوته، وتسكن النفس عند لقائه إلى مجالسته، دلائله واضحة في مشيته وزيه ولفظه». إلخ. ومن رأيه أن أكبر علامات الظرف الحب، وقد دعاه ذلك إلى أن يستعرض الحب وأنواعه، وطائفة ممن أحبوا فعفوا، ومن أحبوا فسقطوا. وصور لنا صورة صادقة لبيوت القيان في بغداد في عصره، وكيف كانت تتدفق فيها الأموال، وكيف كانت تلعب القيان بعقول الشبان، ويظهرن لهم الود والحب، حتى يأتين على أموالهم، فإذا الحب ينقلب إلى صد وطرد. وتاريخ كل مدنية يعيد نفسه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٦٠