تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكتب بعض الظرفاء إلى صديق له: «أيدك الله بوفاء الأدب من النزوع إلى الجفاء، وجعل آخر سخطك موصولا بأول الرضاء، والسلام».

وهكذا يمضي في استعراض نماذج للظرفاء من النثر والشعر. ثم يحكي لنا ما كان يتفنن فيه الظرفاء من نقش جمل فنية أو أشعار رقيقة على خواتيمهم وعلى تفاحهم، وما كان ينقشه ظراف الجواري على قمصانهن وأرديتهن وأكمامهن وعصائبهن ومناديلهن وزنانيرهن، وعلى نعالهن وخفافهن، وما كن يكتبنه بالحناء على راحهن وأقدامهن، وما كان يكتب الظرفاء من الأشعار الرقيقة على القناني والكاسات والأقداح وأواني الفضة والذهب، وعلى آلات الموسيقى من العيدان والطبول والدفوف والنايات، وما كان يتفنن به الأدباء من إهداء أقلام قد نقش عليها أبيات ظراف.

وختم كتابه بقوله: «هذه جملة مما بلغنا وفيها كفاية لمن اكتفى، وبيان لمن تبين واقتفى، وما استوعبنا كل ما انتهى إلينا، ولو قصدنا إلى تكثيره لما استصعب علينا ... وقد أدينا بعض ما بلغنا، ووصفنا بعض ما استحسنا ... وإلى الله نرغب في السلامة، والسلام».

هذا عرض سريع لكتاب واحد في الظرف والظرفاء يدلنا على ما كان للحضارة الإسلامية من عناية حق في أدق الأمور وأرقها وأظرفها، وأنها لم يفتها شيء حتى في وضع قوانين للياقة أو «الإتيكيت» كما يسمونها، وأن ذلك الكتاب القيم يصف حالة اجتماعية رآها مؤلفه، وقد مضى عليها الآن أكثر من ألف عام، فماذا يكون شأنها لو سارت في طريقها من غير أن يعوقها عائق أو يدمرها مدمر

1 ؟

| الإحسان

أريد بالإحسان التصدق على الفقراء، ومعونة الضعفاء والمرضى، ولست أرى لفظا أدل على هذا المعنى من الإحسان، وإن لم يرضه المتشددون في الألفاظ.

ربما كانت فضيلة الإحسان من أكثر الفضائل تقلبا مع الزمان، وتغيرا في أفهام الناس، فكم بين ما كان يفهمه حاتم الطائي من نحر الجزور وإنهابها الناس، وبين ما وضع من النظم الحديثة للإحسان من فروق ومباينات!

فنظام المعيشة من قديم ينتج غنيا مفرط الغنى، وفقيرا مفرط الفقر.

ولم يخلق للآن نظام يعدم هذه الفروق أو يقللها من غير أن يستتبع خطرا أعظم، وداء أعضل.

فاهتدى الناس لتلطيف هذه الفروق إلى المناداة بالكرم والفخر به، ولست أدري أكان أول من نادى به الأغنياء اتقاء لخطر الفقر، أم الفقراء تعطيفا لقلوب الأغنياء.

وأتت الأديان تدعو إلى الأخوة، وخاصة بين أهل الدين الواحد، وتجعل من مستلزمات هذه الأخوة عطف الغني على الفقير وإشراكه في جزء من ماله، واستتبع ذلك وجود الأديار في النصرانية والتكايا في الإسلام.

وكما أنتجت النظم معونة للفقراء وسدا لحاجات المعوزين أنتجت عند بعض الناس تراخيا في العمل، وميلا إلى الكسل واتخاذ الاستجداء حرفة، والتكدي صناعة.

وكثرت جيوش الفقراء، فلم تكف النزعات الدينية لسد حاجاتهم، فتدخلت الحكومات تحمل بعض العبء، فبنت المستشفيات وأنشأت الملاجئ وما إلى ذلك. وأتت المدنية الحديثة فأخذت تقوم الفضائل من جديد، واستخدمت العلم في هذا التقويم كما استخدمته في كل شيء، وكان مما نظمته طرق الإحسان، بل جاء قوم من الفلاسفة متأثرين بمذهب النشوء والارتقاء، وبنظرية الانتخاب الطبيعي وعلى رأسهم «هربرت سبنسر» يطبقون هذا الإحسان ويرون أنه رذيلة لا فضيلة، وأن العجزة ومن إليهم لا يستحقون هذه العناية، إنما العناية يجب أن تتجه إلى الأقوياء وإلى خير العناصر، ويجب أن ينتخب من المجتمع خيره وأقواه، فنوجه إليه العناية ونأخذ بيده، وبعد أجيال سيفنى الضعفاء ويبقى الأقوياء فيسعد مجتمعهم، نفعل في ذلك ما نفعل بالزهور والأشجار، نهمل الذابل والضعيف فيفنى، ونستولد القوي الجيد فيبقى - إلى آخر ما قالوا. ومن حسن الحظ أن لم تلق نظريته هو وأمثاله نجاحا، فإنها نظرية تقضي على خير ما في الإنسان من عاطفة نبيلة نحو الناس. وكيف يقضي على العجزة والفقراء ونظام الحياة يخلق منهم كل يوم خلقا جديدا وجيشا كبيرا، لو لم يعن به لاكتسح الأغنياء، ولثار ثورة لا يعلم مداها إلا الله.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٦٢