تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كلما أنبت الزمان قناة

ركب المرء في القناة سهاما •••

وأقام الناس دولة الغزل والنسيب، وهو باب من ألذ الأبواب وأحبها إلى النفوس، وأدعاها للسرور والطمأنينة، فإذا بالأدباء - وهم أبعد الناس عن الحرب - يستعيرون كل ألفاظ الحروب والقتال في التعبير عن خطراتهم ومعانيهم، فنظرات الحبيب سهام:

أواه إن نظرت وإن هي أعرضت

وقع السهام ونزعهن أليم

وحمرة خده من دم المحب:

هذا دمي في وجنتيك عرفته

لا تستطيع جحوده عيناك

وهو يرمي فلا يخطئ، ويقتل فلا يقاد:

تعرضن مرمى الصيد ثم رميننا

من النبل لا بالطائشات الخواطف

ضعائف يقتلن الرجال بلا دم

فيا عجبا للقاتلات الضعائف

وهكذا ملئوا هذا الباب البديع اللطيف دما وقتلا وسهاما ونبالا وفتكا وصرعا ودية وقودا، ونقلوا كل أدوات القتال حيث لا قتال، ولكنه الإنسان المغرم بالقتال. •••

ولما أرادوا أن يلعبوا لعبوا بالقتال، ومثلوا القتال، فلعبوا الشطرنج وملأوه خيلا وفيلة، وجنودا وقلاعا ووزراء ودولة، وكان انتهاء الدور دائما «كش» «مات»؛ ولعبوا النرد يمثلون الغلبة عن طريق القدر أكثر منها عن طريق الجد؛ ومرنوا الأطفال والشبان على لعب الكرة، فقسموهم معسكرين، ونظموهم جيشين، وأقاموا لهم ميادين جالوا فيها وصالوا؛ وهكذا استغلوا في أكثر الألعاب غريزة الإنسان في حب الحرب وحب الغلبة، إذ لم تكن له غريزة مثلها تسد مسدها.

ومن قديم جاء قوم من الفلاسفة والحكماء يقفون في وجه الحرب، ويعلنون أن الإنسان أخو الإنسان، وينادون أن أحب لأخيك ما تحب لنفسك؛ فذهبت دعواتهم صيحة في واد، ونفخة في رماد، وبقي الإنسان هو الإنسان، يسمع لداعي القتال، ولا يسمع لداعي السلام.

وجاءت الأديان الكبرى تريد الدعوة بالحسنى، فاشتق الإسلام اسمه من السلام، ثم كان تاريخ المسلمين حروبا لا تنتهي؛ وجاءت النصرانية تدعو إلى أن من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر، ثم لم ير في تاريخ العالم أمم تحب القتال وتتفنن فيه وتدعو إليه، وتفتك أشد فتك وأروعه وأحماه، كما تفعل أمم النصرانية بعضها مع بعض، وبعضها مع غيرها.

بل أكثر من هذا عجبا أن انقلب الدين نفسه سببا كبيرا من أسباب الحرب؛ فالمؤمنون والزنادقة، والمؤمنون والكافرون، والمذاهب الدينية بعضها إزاء بعض، ومحاكم التفتيش، والتبشير المسلح - كل هذا يملأ في تاريخ القتال صفحات لا تقل شأنا عن صفحات القتال للغنيمة أو للفتح. •••

وتراه إذا أعياه القتال في البر قاتل في البحر، فإذا أعياه القتال في البر والبحر قاتل في الجو، فإذا أعياه القتال فيها جميعا؛ نقل حياته أيام ما يسميه بالسلم إلى حالة حربية في الحقيقة؛ فنظام التعليم عنده نظام حرب: تربية وطنية لتمجيد الوطن وحب إعلائه، وبث روح السيادة على غيره، وقلب لحقائق التاريخ خدمة لهذا الغرض، ونظام مسابقات بين الطلبة ليتحاربوا، ونظام ترتيب حسب الدرجات ليتحاسدوا ويتقاتلوا.

فإذا خرجوا من المدرسة فنظام وظائف ونظام علاوات وترقيات كفيلة بإثارة شعور القتال عند أي ميال إلى السلم.

ووراء ذلك نظام تجاري، كله حرب وانتصار وهزيمة، وغالب ومغلوب، اصطلحوا على أن يسموها أسماء جديدة كالربح والخسارة، والنجاح والإخفاق، وهي في الحقيقة ليست إلا مرادفة للنصر والهزيمة، والحياة والموت.

ثم أحزاب سياسية تتناحر وتتنابز، وتتراشق بألفاظ السباب والاتهام بالخيانة، وكلما دخلت أمة في الحكم لعنت أختها.

ونظام اجتماعي بني على أساس حربي؛ فطبقات يتربص بعضها ببعض، وغني يستغل فقيرا، وفقير ينهب غنيا ، وجان ومجني عليه، وخصومات أشكال وألوان.

ثم تحر أعمال الإنسان من عهد طفولته وهو يبكي، إلى عهد نضجه وهو موظف كبير أو تاجر كبير أو سياسي كبير، وحلل البواعث عليها تجد أن أكثرها - مهما اختلفت الآراء فيها - يعود إلى شيء واحد، وهو حبه الغريزي للحرب.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٥٩