تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لهذين الغرضين تذهب إلى المدرسة. •••

لشد ما أخشى أن يغار رجال التعليم في مصر على مدارسهم فيستملوا الإجابة منها، ويطبقوا ورقة الامتحان عليها، فيعطوا إجابتي «صفرا».

| الإنسان حيوان محارب

لقد خدع المناطقة بالبريق الذي يلمع في الإنسان من عقل وتفكير، فعرفوه بأنه حيوان ناطق.

وخدع أرسطو بمظهر حب الإنسان للاجتماع، فقال: إنه حيوان مدني بطبعه.

ولو أنصفوا جميعا لقالوا: إنه حيوان محارب بطبعه.

من مبدأ أن خلق إلى الآن وتاريخه سلسلة حروب.

نازع الملائكة في خلقه، وقالوا:

أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك

ثم كان خلقه وليد هذا النزاع.

وحل في الجنة حيث السلام والأمان، والطمأنينة والنعيم، فلم يرضه ذلك كله، وترك كل ما أبيح له أن يأكل منه، وأكل مما حرم عليه، جلبا للنزاع والخصام، فكان الخروج من الجنة. ولو أحب السلام لأطاع، ولو أطاع ما كان قتال، ولكنه الإنسان.

ثم كان ما ذكر القرآن الكريم:

واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين * لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمي . فقتل المسالم، وبقي على الأرض المقاتل.

وتاريخ الأنبياء كلهم وخصومهم يتلخص في كلمات: دعوة، فاستنكار، فقتال، فانتصار. •••

ثم تتبع ما يستكشفه الأثريون في مختلف بقاع الأرض من العصر الحجري، سواء في ذلك سكان الوديان، وسكان الكهوف والمغارات، تجدهم لم يخلفوا مقاعد للجلوس ولا أسرة للنوم ولا نوعا يدل على الحياة الوادعة الهادئة؛ إنما خلفوا سكاكين حجرية لشق البطون، وسهاما لإصابة المقاتل، و«بلطة» لتهشيم الرءوس.

واقرأ تاريخ الأمم. فهل ترى إلا تاريخا حربيا، حربا أيام الحرب، واستعدادا للحرب أيام السلم، وإحصاء للجيوش وإحصاء للقتلى، ووصفا للخراب، وتسجيلا لأنواع التنكيل؛ ولم يكن ذلك مقصورا على أمة دون أمة وجيل دون جيل؛ إنما هو تاريخ كل أمة في كل عصر، في الشرق والغرب، في البدو والحضر، في السهل والجبل، في البر والبحر، وأخيرا في أعلى السماء وأعمق البحار؛ تاريخ اليونان حرب، وتاريخ الفرس حرب، وتاريخ الرومان حرب، وتاريخ اليابان حرب، وتاريخ أمريكا حرب، وتاريخ العالم الآن حرب؛ فإن ظفرت بأمم لا تحارب؛ فلأنها غلبت على أمرها، فجردت من سلاحها إثر هزيمة حربية لحقتها، أو خمود نفسي أصابها من اندحارها.

ثم كان شأن الأدب شأن ما استكشفته الحفائر من سهام ونبال؛ فالإلياذة - وهي أغنية الشعب اليوناني - مملوءة بالتهشيم والتحطيم؛ والشعر العربي الجاهلي يشيع الدم في جميع نواحيه، والأمم الحية الحديثة إنما تقدس الأديب القوي والفيلسوف القوي والموسيقي القوي، الذين يمجدون الدم، ويعبدون إله الحرب، وينفخون في روح شعوبهم السيطرة والقوة والعظمة والسيادة؛ وهذا هو الأدب الألماني الحديث يرمي إلى تمجيد شعور الجنس لا شعور الفرد، وتمجيد أرض الجنس لا أفراد الجنس، وبيان أن أخلاق الجنس وعبقريته نابعة من أرضه لا من مدنه، والحث على سيطرة الجنس بمجموعه وأرضه على كل الجناس البشرية، واستخدام الشعر والقصص وسائر أنواع الأدب لخدمة هذه الغاية؛ لأن تربة أرضهم خير أنواع التربة، وقد أخرجت لهم خير أنواع الناس، فيجب أن يكون الأدب بطل الآداب، يغذي أبطال الناس، ويبعث فيهم القوة والحياة والعزة والفخر والسيطرة؛ وهل مثل هذا الأدب إلا باعث القتال ومثيره؟ •••

كلما استكشف الإنسان مادة من مواد الحياة أو قانونا من قوانين الطبيعة، استخدمها في تحطيم رأس أخيه وتهشيم جسمه؛ رأى الحجر الأول ما رأى فاتخذ منه سكينا وسهاما، واستكشف الحديد فعمل منه سيوفا وسنانا، وأخيرا مدافع ومصفحات ودبابات، وعرف قوانين الماء فبنى عليها أساطيله وغواصاته، وظهرت له قوانين الهواء فأنشأ عليها مناطيده وطياراته، ووقف على منابع الزيت فأشعلها نارا على عداته، وهكذا:

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٥٨