تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن أكبر فارق بين الإنسان والحيوان - يا بني - أن الحيوان يستفيد جيله الحاضر من تجارب أجياله السابقة؛ فالنحل يعمل ما كان يعمله أيام آدم، لم يتقدم في نوع معيشته ولا في قرص عسله ولا في بناء مسكنه، وكذلك شأن كل حيوان، ولكن كم من الفروق بين عيشة الإنسان الأول والإنسان الآخر، والإنسان في الكهوف والإنسان في القصور! وعلى الجملة فالإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يعيش كل جيل منه على أكتاف من سبقه. ويبني كل جيل طابقا جديدا في قصر الإنسانية.

فالمدرسة تعلمنا تاريخ التجارب الإنسانية السابقة، وتعلمنا كيف نبني عليها طابقنا الجديد. فما لم نبن بناء جديدا لم نستحق اسم الإنسانية.

ومدرسة تفضل مدرسة بمقدار ما تلقي من هذا الضوء وتبعث من هذا الروح وتقيم من هذا البناء؛ فالمدرسة التي تعلمك أنك تذهب إليها لتنجح في الامتحان فقط، أو تأخذ الشهادة فقط، أو توظف فقط، لا تستحق إلا أن تغلق؛ لأنها تبعث أفكارا ميتة وتوحي آراء جامدة، وليس يستحق منها البقاء إلا مدرسة، تعلم كيف كان الناس يحيون، وكيف يحيون الآن، وكيف ينبغي أن يحيوا في المستقبل. ثم هي تغرس في نفوس التلاميذ من أول روضة الأطفال هذا المبدأ بالوسائل التي تختلف بساطة وتركبا حسب استعداد الطفل، حتى إذا سئل كل تلميذ: لم يذهب إلى المدرسة؟ أجاب: إنه يذهب إليها ليتعلم كيف يكون إنسانا يستحق اسم الإنسانية. ومهما اختلفت الإجابة حسب السن والعقلية، فلن تعدو هذا المعنى الأساسي.

وعلى هذا الأساس يمكننا أن نلخص مناهج الدراسة بأنها «تاريخ الإنسانية كلها أو جزء منها في نواحيها المختلفة أو ناحية منها حسب استعداد الطالب لتناولها»، وهذا يشمل كل فرع من فروع العلم، فكل علم في الواقع هو تاريخ الإنسانية في ناحية من نواحيها أو جزء من أجزائها، حتى النحو والصرف هو تاريخ الإنسانية في لسانها، في جزء من أجزائها.

وفائدة هذا النظر أنه يطلعك على موضع الفساد في برامجنا؛ فإذا درسنا في التاريخ تاريخ الملوك وحدهم وأهملنا جوانب الشعب كان تاريخا ناقصا مبتورا؛ لأنه أطلعك على جانب صغير من جوانب الإنسانية، حيث كان في إمكانك توسيع هذه النواحي؛ وإذا كان درس البلاغة لا يمكنك من فهم بلاغة الأقدمين، ولا يعنيك على أن تكون بليغا في حاضرك فلا قيمة له؛ لأنه ليس من تاريخ الإنسانية في شيء إلا أن يكون تاريخا للسخف فيها، وليس موضع هذه المدرسة، وتستطيع أن تقول هذا في كل علم، وكل فرع من فروع العلم.

كذلك إذا كان منهج الدراسة يطلعك على ناحية من نواحي الإنسانية في عام، ومنهج يطلعك على الناحية نفسها في عامين، فالأول أفضل بداهة. ففضل منهج على منهج في أنه يكشف لك جانب الإنسانية الذي تريده من أقرب طريق.

ومهمة واضع البرامج ومظهر براعته أن يعرف أي نواحي الإنسانية أهم للطلبة في بيئتهم الخاصة، وأي منهج من مناهج التعليم يوصل إلى الغرض في أقل زمن ممكن. •••

هذا - يا بني - جانب واحد من جانبي الإجابة على السؤال: «لماذا تذهب إلى المدرسة؟» وهو الجانب العقلي للموضوع، وهناك جانب آخر لا يقل عن هذا شأنا وهو الجانب النفسي.

إنك تذهب إلى المدرسة لتربى نفسك حتى تتحقق سعادتك ويسعد بك غيرك، فإنك تحمل في داخلك أنواعا من القوى، من شهوات وإرادة وعقل. ووظيفة المدرسة الصالحة أن تعلمك كيف تخضع شهواتك لعقلك، وأن تقوى إرادتك لتكون القوة التنفيذية لحكم العقل على الرغبات والغرائز والمشاعر. إن المدرسة تكون في داخلها مثلا أعلى من مجتمع صغير ليتكون من نفسه فيما بعد مثل أعلى للمجتمع الكبير. إنها تعلم كيف يسعد الفرد بالتعاون مع رفقائه لتعلم بعد كيف يسعد بالتعاون مع أفراد أمته. إنها تعلمك من أنت في نفسك، ومن أنت في مدرستك لتعرف بعد من أنت في قومك.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٥٧