تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولقد غزا الغرب الشرق لا بسيوفه ومدافعه وطياراته فحسب، بل غزاه أيضا بحضارته ونظراته إلى الحياة، وكان من الطبيعي - وقد انكسرت قوة الشرق الحربية أمام قوة الغرب الحربية - أن يظن الشرقي أن نظرة الغربي إلى الحياة خير من نظرته، وحضارته خير من حضارته، فاستسلم لها، وسار في طريقها وفتح لها صدره، وأسلس لها قياده، وباع روحانيته الشرقية الموروثة بالمادية الغربية الحديثة، وإن كانت الصفقة لم تتم بعد.

أما أن الخير للعالم أن تسوده كله هذه النظرة الغربية، فلا يكون في العالم إلا حضارة واحدة، أو أن يحتفظ الشرق بروحانيته ويبني عليها حضارة جديدة، وأن يكون في العالم لونان: لون مادي تمثله الحضارة الغربية، ولون روحاني تمثله الحضارة الشرقية، ثم تتعاون الحضارتان كما يتعاون جسم الإنسان ونفسه؛ فذلك موضوع آخر له مجال آخر.

| امتحان ...

قام في نفسي أن أجمع ثلاثة من أولادي في مراحل التعليم المختلفة، وألقي عليهم سؤالا طريفا، لأتبين عقليتهم وأخبر تفكيرهم، فسألتهم على التوالي: لماذا تذهب إلى المدرسة؟

فأما أصغرهم، وهو في «روضة الأطفال» فقال: أذهب إلى المدرسة لأتعلم لغة عربية، وحسابا، وخطا، وأشغالا.

وأما الذي في السنة الرابعة الابتدائية فقال: أتعلم لآخذ الشهادة هذا العام وأدخل المدرسة الثانوية.

وأما كبيرهم وهو في مدرسة الهندسة فقال: لأتمم دراستي، وأحصل على الشهادة، وأوظف.

وأردت أن أعمل عمل المدرس، فأزن الإجابة وأعطي درجات عليها، فرأيت أني لو دققت في التصحيح لأسقطتهم جميعا، فما شيء من ذلك يستحق أن يكون إجابة صحيحة، ولا شبه صحيحة.

عيب هذه الإجابات أنها تركز أغراض التعليم في ثلاثة أشياء: حشو الذهن بالمعلومات، ونيل الشهادة، والحصول على «الوظيفة». وليس شيء من هذا هو غرض المدرسة الحقيقي في نظري.

أظهرت عدم الرضا لأبنائي عن إجابتهم. فقال أكبرهم: إذا نغير الموقف، فأكون أنا السائل وأنت المجيب، فقد قال القائل:

إن على سائلنا أن نسأله

والعبء لا تعرفه أو تحمله

قلت: لك ذلك.

إن أهم «وظيفة» للمدرسة أنها تعلمنا كيف ننتفع بتراث السابقين، فمنذ كان الإنسان على ظهر الأرض وهو يجرب ويتعلم، ويتبين الخطأ والصواب، ويصل إلى نتائج بعضها يبقى على مر الزمان لصحته، وبعضها يذهب مع الريح لفساده. وقد قام بهذه التجارب ملايين الناس، واشتغلت بتحقيقها ملايين العقول، وضحيت في سبيل فحصها وامتحانها ملايين النفس. وكان العالم كله في هذه الزمان كلها عبارة عن «معمل» تشتغل فيه كل هذه الملايين على التعاقب، «فيحللون» و«يبحثون»، ويرصدون نتائج بحثهم. وكثيرا ما كانوا يخفقون في تجاربهم وتحليلهم، فيبدءون العمل من جديد بفرض جديد، حتى يصلوا إلى النتائج الصغيرة بعد العناء الكبير. وهم لا يصلون إلى هذه النتائج إلا على جسور من رءوس الضحايا.

وقد قدمت هذه القضايا التي أنتجتها الأجيال السابقة للأجيال الحاضرة في شيء اسمه «كتاب». ولو أخذنا أي كتاب مدرسي، مهما صغر حجمه، في أي موضوع من موضوعات العلم والأدب، سواء كان طبيعة أو كيمياء أو بلاغة، أو نحوا وصرفا، أو هندسة، أو جغرافيا؛ وأردنا أن نعرف تاريخ كل قضية فيه، لعجزنا عن عدد الذين ذهبوا ضحيتها في البحث والتجربة، وإعمال الذهن، وسهر الليالي، وتكبد الأسفار، ومعاناة التحقيق. فما أكثر الضحايا الذين ذهبوا حتى وصلنا إلى أن «الأجسام تتمدد بالحرارة»! وما أكثر من ذهبوا في سبيل تدوين أحكام «الفاعل ونائب الفاعل»! وما أكثر عدد العقول والنفوس التي ذهبت في سبيل تحقيق أن «الأرض تدور حول الشمس»! وهكذا.

ولعل النظر على الكتب على ضوء هذا البيان يفيدك - يا بني - في تعرف أي الكتب المدرسية صالحة للبقاء وأيها صالحة للإعدام؛ فما لم يحمل إلينا من الكتب تجارب الأقدمين وينر لنا السبل في حياتنا الحاضرة لا يستحق البقاء؛ بل هذا أيضا يعينك على أن تحكم على منهاج الكتب ومبلغ رقيها في فن التأليف؛ فما لم تبعث فيك روح النهوض واستخدام ما فيها في هذه الحياة واستحثاثك على إصلاح حياتك وحياة غيرك وتقديمك الحياة خطوة عمن سبقك فلا قيمة لها.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٥٦