ثم الحياة الاجتماعية كلها نظمت على هذا الأساس المادي، من استمتاع باللذائذ ما لم يتأذ الغير. وبناء المعاملات كلها على أساس من الاقتصاد لا روح له، بل وأعمال الخير كلها من إحسان المحسنين وتبرعات المتبرعين، واكتتاب المكتتبين لبناء مستشفيات وملاجئ ونحوها، إنما أساسها كلها تحسين هذه الحياة الواقعة، ورفع البؤس عنها، وإيصال أكبر قسط من السعادة أو اللذة إلى أهلها، وهكذا. •••
أما الروحانية فترى أن المادة وحدها عاجزة عن أن تشرح كل ما يحدث في العالم، بل لا يفسرها إلا القول بوجود شيء غير مادي، شيء روحاني وراء هذا الشيء المادي. فالفكر وظواهر العقل ليس نتيجة المخ المادي، نعم إن المخ آلة التفكير، ولكن يستحيل أن يكون الفكر الإنساني الذي يشعر بشخصيته وبحرية إرادته نتيجة لمادة لا تحس ولا تشعر مهما كانت حالتها من رقي تركيبها وحسن نظامها.
وأعمال الإنسان وظواهر الوجود والذكاء والغباء، وحدوث المألوف وغير المألوف، والغنى والفقر، وأحداث القدر والموت والحياة ونحو ذلك كله، لا يمكن تفسيرها تفسيرا مقنعا إذا اقتصر في هذا التفسير على المادة وحركاتها، بل لا بد أن ينضم إليها شيء روحاني.
فالإيمان بعالم روحاني بجانب العالم المادي من نفس وإله وعالم آخر، هو أوضح خصائص الروحانية.
وهذا النوع من النظر هو الذي يسود الشرق، فهو يؤمن بالإلهام الذي لا يعلل، كما يؤمن بالمنطق الذي يعلل، على حين أن النزعة المادية لا تؤمن إلا بسبب ومسبب، وعلة ومعلول، ومقدمة ونتيجة.
والشرقي - على العموم - أميل إلى أن يدخل في حسابه العالم الروحاني والعالم المادي معا، يؤمن بالقدر خيره وشره، ويحسب ما بعد الموت كما يحسب ما قبل الموت، وإذا تطلب السعادة طلبها من ناحية إيمانه ومن ناحية تعديل نفسه، أكثر مما يطلبها من ناحية تعديل الظروف الخارجية، ولم يبن معاملاته على أساس اقتصادي مادي، بل يبنيها على أن فيها جانبا كبيرا لله أو نحو ذلك، وإذا أحسن فليس يدقق في حسابه ويتساءل: ما نتيجة هذا الإحسان في العالم المادي؟ بل يرضيه أن يكون قد أرضى ربه ونفسه، وإذا قوم الأخلاق فلا يقتصر في تقويمها على النظر في نتيجة هذه الأخلاق بالنسبة للعالم الواقعي، بل نتيجتها في الدنيا والأخرى معا، وليس يرى مبدأ «ما لقيصر لقيصر، وما لله لله»، بل كل عمل فيه ما لقيصر وفيه ما لله.
وقد تغلب النزعة الروحية على بعض الأفراد، فترى أثر ذلك في التصوف والانقطاع إلى العبادة، ونظام الخانقاهات ونحوها. وهو أمر شائع في الشرق ونابع من الشرق.
ولعل سيادة هذه النزعة في الشرق جعلته مهبط الأديان. فالأديان الثلاثة الكبرى وهي: الإسلام، والنصرانية، واليهودية، ظهرت في الشرق، وانتقلت منه إلى الغرب. •••
ولست أنكر أن في الغرب روحانية، وأن في الشرق مادية. ففي الغرب روحانيون قد يفوقون بعض روحاني الشرق، صفاء نفس. وقوة يقين، وتقديرا للأعمال بميزان الروح؛ كما أن في الشرق ماديين قد يفوقون بعض ماديي الغرب إمعانا في تقدير المادة، واقتصارا على ميزان الأعمال بميزانها؛ ولكن الحكم في مثل هذه المسائل العامة لا ينبني إلا على الأعم الأغلب، لا على القليل النادر.
كما أني لا أنكر أن في الغرب دينا، ودينا كثيرا، ونظما دينية دقيقة، وكنائس فخمة، ومعابد عظيمة؛ ولكني أدعي - على ما يظهر لي - أن نظرة الغربي إلى الدين، على وجه العموم، تخالف نظرة الشرقي إليه؛ وقد يكون أهم هذا الخلاف من ناحيتين: إحداهما أنه يسود الغربي النظر إلى الدين كنظام اجتماعي، والثانية أن نظرة الدين لا تتغلغل في كل شيء عند الغربي تغلغلها عند الشرقي. •••
هذه هي المادية والروحانية في نظري، والمادية بالمعنى الذي شرحت تلتئم مع ما نرى في الغرب من علم غزير وعواطف فياضة وتضحيات كثيرة، ولكن هذا كله لم يمنع من أنها صبغت الحضارة الأوروبية صبغة خاصة تخالف روحانية الشرق بالمعنى الذي أبنت.