تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

استوقف نظري هذا الفصل وأثار تفكيري وترددت في نفسي هذه الأسئلة: هل الحق أن الحضارة الأوروبية مادية وروحية معا أو هي مادية فقط؟ وهل الحق أن الشرق لا يمتاز بروحانية؟ وهل الحق أنه إن امتاز بروحانية فهي روحانية قليلة القيمة، باعثة على الفناء، تدور حول نفسها ولا تنتج شيئا؟ وقلت: لعل وجه الصواب يتضح إذا نحن حددنا معنى المادية والروحانية، ثم نظرنا بعد في ضوء هذا إلى الشرق والغرب.

لقد قال كثير من الكتاب والفلاسفة: إن الشرق موطن الروحانية، والغرب موطن المادية، كالذي يقوله بلدوين في كتابه «معجم الفلسفة» عند الكلام في الإسكندرية: «إن الشرق والغرب اختلطا في الإسكندرية، وامتزجت آراء رومة واليونان والشام، في المدنية والعلوم والدين، بآراء الشرق الأقصى في ذلك، فنشأت قضية جديدة، عمل على إيجادها بحث الغرب وإلهام الشرق»، فما الذي يعني بالمادية والإلهام أو الروحانية؟

من الواضح جدا أننا إن عنينا بمادية الغرب عنايته التامة فقط بالمادة التي يرمز إليها بالمال من ذهب وفضة وأوراق مالية ونحو ذلك، فهذا قول ظاهر البطلان كما يقول «الدكتور». فالمدنية الأوروبية مملوءة بالعواطف، من عاطفة حب تقوى أحيانا حتى تصل إلى الانتحار، وعاطفة إعجاب ببطولة وإعجاب بجمال، وازدراء لنذالة وكراهة لقبح، وإحسان إلى فقير، وتضحية نفس ومال لوطن، ونحو ذلك من مظاهر العواطف التي قد يفوق فيها الغربيون الشرقيين، مع ما شهر به الأولون من مادية، والآخرون من روحانية. والمدنية الأوروبية كذلك مملوءة بالعقل، فالعلم يسير سيرا حثيثا في الحضارة الأوروبية، وهو يسبق الشرق فيه بمراحل. والغربيون الآن أساتذة الشرق في الرياضة والطبيعة والكيمياء. وكل فرع من فروع العلم، وليس هذا العلم مستعبدا للمال ولكن يستغله المال، ولا بأس عليه من ذلك، بل نرى في هذه البيئات الأوروبية علماء كانوا المثل الأعلى للتضحية من أجل العلم، فمنهم من أعرض عن المال وداسه بقدميه في سبيل تجربة يستكشفها أو نظرية يحققها، بل منهم من ضحى بنفسه للعلم فمات شهيد اختبار يختبره أو فكرة يبرهن عليها. وأين ذلك كله من دعوى المادية في الحضارة الأوروبية؟

إن كان هذا هو معنى المادية فالدعوى - كما يقول الدكتور - ظاهرة البطلان، ولكن ألا يوجد معنى آخر يستقيم به الفرق؟

هناك معنى آخر قد يكون أقرب إلى الصواب، وهو أن معنى المادية تفسير ظواهر هذا العالم على أساس المادة من غير التفات إلى عالم آخر روحي وراء هذا العالم، وبناء كل وسائل الحياة وكل ظواهر المدنية والحضارة والثقافة على أساس المادة وحدها.

فليس العقل إلا شكلا من أشكال المادة الدائمة التغير والتنوع، وليست أفعال الإنسان مهما دقت إلا نتيجة لمواد الجسم، وليست كل الظواهر النفسية من فكر وإرادة وعاطفة إلا نتيجة للمخ المادي من حيث عمله وحجمه وتركيبه. والعالم «كساقية جحا» تملأ من البحر وتفرغ في البحر. وكل مظاهر الكون من مظاهر السماء ومظاهر الأرض، وغنى من اغتنى وفقر من افتقر، وذكاء الذكي وغباء الغبي، وأدق الأمور النفسية والاجتماعية، ليس إلا نتيجة للمادة. هذا هو معنى المادية، وهو - كما يظهر لي - النظر المسيطر على الحضارة الأوروبية، فالمقدرة العلمية الهائلة في الحضارة الأوروبية اتجهت نحو المادة وأتت فيها بالعجب العجاب، ولا غرابة في ذلك فالمادة معبودها، فطبيعي أن تتجه نحوها بكل قواها، تستكشف فيها كل يوم استكشافا جديدا، وتخترع اختراعا جديدا، فكهرباء وبخار ولا سلكي ونحو ذلك مما لا يحصى ولا يعد.

ثم إن هذه الأشياء المادية كلها تستغل في الحياة المادية؛ في المنازل، في دور السينما، في الإقامة والسفر، في الجد والهزل، في كل مرفق من مرافق الحياة. بل والأخلاق الأوروبية الحديثة وضعت على هذا الأساس. فأهم الأخلاق ما أفاد هذه الحياة المادية، كالنظام، والمحافظة على الزمن، والاقتصاد، ومراعاة الصحة. وأما التواضع والحياة والتفكير في النفس ونحوها فتأتي في آخر القائمة، على أنهم في شك من قيمتها الخلقية، وهم على حق في ذلك ما دام الأساس هو الحياة الواقعية.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٥٤