تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقلت: إن اللعب بالورق - في هذه الحجرة - كاللعب بورق الحياة، لا يستطيع أحد اللاعبين أن يغير أوراق لعبه، بل هو مكلف أن يلعب بها، وبها وحدها، وإنما مهارته تقدر بلعبه بهذا الورق، لا باللعب بما يتمنى من ورق. فكذلك الإنسان في الحياة، هو مكلف أن يلعب بورقه، وإنما كل مهارته في أن يلعب على أحسن وجه. فإذا كان ذا كفاية محدودة كلف أن يلعب بهذه الكفاية خير لعب. وليس له أن يطمح في أن يلعب لعب النابغين. وإن خلق ضعيفا في عقله قويا في يده، أو ضعيفا في يده قويا في قلبه، فليعرف ما هو قوي فيه، وما هو ضعيف فيه، ثم يلعب بما عنده خير لعب. فإن كان قويا وأراد أن يعمل عمل القوي في عقله، كان كمن يريد أني لعب بورق غيره، وهذا غير جائز في باب اللعب في الحجرة، فكذلك لا يجوز في باب اللعب في الحياة.

وقلت: إن الورق الرابح في يد اللاعب الخائب قد يؤدي إلى الخسارة، والورق الخائب في يد اللاعب الماهر قد يؤدي إلى الربح، فكذلك اللاعب في الحياة، قد يجد ذو الكفاية المحدودة وينظم أعماله وأوقاته، فإذا هو خير ألف مرة من ذي الكفايات النابغة، أضاعها وأهملها ولم يحسن استعمالها.

وقلت: إن اللاعب الماهر في هذه الحجرة قد يصاب بالخسارة في أول الأمر وفي بعض أدوار اللعب، ولكنه يجد ويستخرج كل مهارته وكل نبوغه، فإذا هو رابح آخر الأمر. وكذلك اللاعب في الحياة، قد يصاب بصعاب وعقبات، وقد يظهر إخفاقه في بعض المحاولات، ولكنه لا ييأس، ويتعلم من إخفاقه، فإذا هو آخر الأمر ناجح.

وقلت: إن فلانا هذا اللاعب في الحجرة قد غش مرة في لعبه، فأبدل ورقة بورقة ففقد ثقة اللاعبين، فهم يلاعبونه بحذر ويراقبونه في لعبه ولا يأمنون جانبه. وقد حاول مرارا بعد أن يحسن سمعته فلم يفلح، وحاول مرارا أن يصدق فكان أثر الكذبة مرة أفعل من أثر الصدق مرارا. وهكذا اللعب في الحياة العامة، يزل المرء مرة فيفقد ثقة إخوانه والمتعاملين معه، ولا يكسب ثقتهم بعد إلا بعد عناء إن أمكن.

وقلت: هؤلاء اللاعبون في الحجرة يصفقون للرابح منهم مهما كان ضعيفا في اللعب، ولا يصفقون للاعب المجيد إذا خسر. وكذلك شأن اللاعبين في الحياة، فالناجح هو الماهر وهو الكفء وهو كل شيء، والخاسر هو الخائب، وهو الذي لا يصلح، وهو لا شيء. فأين العقلاء من الناس الذين يصفقون للماهر ولو خسر، ويحتقرون الخائب ولو نجح؟ هؤلاء لم يوجدوا بعد.

ورأيت من اللاعبين من هو واسع الصدر، واسع المغفرة، يكسب فيضحك، ويخسر فيضحك، ينظر إلى اللعب على أنه مسلاة له ولإخوانه، مثل دور الرابح أو الخاسر كما يلعب الممثل دوره في المسرح، لا يهمه إن كان يمثل ملكا أو يمثل سائلا، وإنما يهمه أن يلعب دوره في إتقان، ويدخل السرور على النظارة بإجادته. ومنهم من هو ضيق الصدر، شديد التكلف، أناني، شديد الأنانية، يأخذ اللعب بغم، شديد المشاكسة، يحقد إن خسر، ويطغى إن غلب، ويحول ميدان اللعب إلى ميدان قتال، ومجال التسلية إلى مجال منافسة. فقلت: كذلك ال.

وهنا تصايح اللاعبون إعلانا بانتهاء اللعب، وتعالت الضحكات، وتتابعت النكات، واختلفت سيما الوجوه، فمنها ناضرة زاهرة، ومنها عابسة قاتمة.

وأيا ما كان فقد ظفروا بلعب ظريف وتسلية خفيفة، وظفرت بدرس ثقيل وفلسفة سخيفة.

لست أدري أينا كان أربح، فعلم ذلك عند القارئ.

| بين الغرب والشرق أو المادية والروحانية

كنت أقرأ في الكتاب القيم الذي أصدره حديثا أخي الدكتور طه حسين في «مستقبل الثقافة في مصر»، فاستوقف نظري تخطئته لمن يقول: «إن الحضارة الأوروبية مادية مسرفة في المادية لا تتصل بالروح أو لا تكاد تتصل به، وهي من أجل ذلك مصدر شر كثير تشقى به أوروبا ويشقى به العالم كله أيضا».

وقد رد على هذا الرأي «بأن الحضارة الأوروبية عظيمة الحظ من المادية، ولكن من الكلام الفارغ والسخف الذي لا يقف عنده عاقل أن يقال: إنها قليلة الحظ من هذه المعاني السامية التي تغذو الأرواح والقلوب ... ومن الخطأ أن يقال: إن هذه الحضارة المادية قد صدرت عن المادية الخالصة، إنها نتيجة العقل، إنها نتيجة الخيال، إنها نتيجة الروح الخصب المنتج، نتيجة الروح الحي الذي يتصل بالعقل فيغذوه وينميه. ويدفعه إلى التفكير ثم إلى الإنتاج ثم إلى استغلال الإنتاج، لا نتيجة هذا الروح العاكف على نفسه الفارغ لها، الفاني فيها، الذي تفسد الأثرة عليه أمره، فلا ينفع ولا ينتفع، ولا يفيد ولا يستفيد». إلى أن يقول: «هؤلاء الذين يخاطرون في الطيران، فيلقون فيه الموت شنيعا بشعا، ليسوا ماديين؛ لأنهم يضحون بحياتهم في سبيل تقدم العلم وبسط سلطان العقل على عناصر الطبيعة الجامحة ... إن الحضارة الأوروبية المادية هي التي تضحي في كل يوم بكثير من الأنفس في سبيل العلم وفي سبيل السيطرة الطبيعية». إلخ. •••

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٥٣