تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ودق بالملعقة على الصحن، فلم يسمع أحد، ثم دق ودق فحضر الخادم. - نعم! - مضت ساعة الأكل لم يحضر. ناد رئيسك.

وتتابع الحديث ولم يحضر أحد، وبعد قليل دخل خادم آخر عليهما، وظن أنهما انتهيا من أكلهما وشربهما. وأنهما يعطلان الغرفة أكثر مما يلزم، فسألهما: هل يريدان قهوة، ومن أي نوع هي!

وتتابع الحديث ثانية أو ثالثة. لا أدري!

ونظر (ح) في الساعة فإذا هي الثالثة، فقام ولحقه (م) ونزلا يستفسران عما تم. فإذا سيد الخدم قد نسي الطلب ولا أكل ولا إعداد ولا توصية.

وانفجر السيد (ح) انفجارة كالبركان إذا قذف، ودوى صوته في بهو المكان كله يهدد ويؤنب، وبهت الحاضرون، وتصلبت الأيدي على الملاعق، ووقفت اللقم في الأفواه، وسكتت الأسنان عن المضغ، وحدقت العيون في هذا الصارخ وهذا المصروخ فيه، وانقلبت صالة الأكل إلى صالة محاضرات يشرح فيها ما يجب على الوطني أن يعمل لسمعة وطنه، أو فصلا في مدرسة يؤنب فيها الأستاذ تلاميذه.

وساد الجميع رهبة. ماذا حدث؟ وماذا كان؟ - لا مؤاخذة.

وخرجا ...

م :

لا تغضب، وأشفق على نفسك. إن «كانت» يقول: «إذا أردت أن تعرف خطأ شيء أو صوابه فعممه»، فماذا يحدث لو غضب كل الناس هذا الغضب؟

والآن إلى أين؟

ح :

إلى الكورسال، فإذا أراد المصريون أن ينجحوا فليس على المستهلك وحده يقع عبء التضحية، بل يجب أن يتحملها أيضا المنتج بإحسانه ما ينتج.

م :

هذا حكم الغضبان، والغضبان لا حكم له.

| بين اللاعبين

حرمت - فيما حرمت - لذة اللعب، فلا أعرف نردا، ولا ألعب شطرنجا، ولا علم بي بألعاب «الورق» على اختلاف ألوانها وتعدد أشكالها.

وأخيرا رماني الحظ بليلة جمعت نخبة من الأصدقاء هواة اللعب، جلست بينهم كما يجلس الأصم بين متحدثين، أو الأعمى بين رسامين، أو المتزمت بين حشاشين. يحركون الورق ولا أفهم، ويصيحون ولا أعلم، ويتضاحكون ولا أفقه، ويزعم أحدهم أنه كسب ولا أدري لم كسب، وآخر أنه خسر ولست أعلم لم خسر، وتبرمت بجلوسي بينهم، وزاد في تبرمي أنهم لم يشعروا بوجودي، ولم يأبهوا بحضوري. ففكرت في حيلة أهرب بها من هذا المأزق - فكرت أن أعتذر وأخرج، فحالت حوائل، وفكرت أن أتعلم اللعب، فقلت: أبعد أن شاب قرناها؟ وقلت: أحتال في أن أصرفهم عن اللعب، ثم قلت: أي حق لك في أن تحكم ذوقك في أذواقهم، وتحرمهم من ملذاتهم؟ وأخيرا اهتديت إلى فكرة غريبة، فكرة مظلمة، فكرة تدل على صدق المثل: «يموت الزامر وإصبعه تلعب»، هي أن أنقل المكتبة والجامعة ولجنة التأليف إلى غرفة اللعب، فإن لم يمكن ذلك ماديا فليكن خياليا، فلأتخيل أن كل هذه الأشياء في هذه الحجرة، وأني جالس على مكتبي، وأن كرسي هذا هو كرسي المكتب، وأن مائدة اللعب هي المكتب، وأن لعبهم هو موضوع الدرس، وأن الدرس درس فلسفة، وأن موضوع درس الفلسفة هو «فلسفة اللعب بالورق». فماذا يمكن أن تقول؟ وهب أن أمامك ورقا وقلما فماذا تكتب؟ وقلت: أجعل من هذا موضوعا يعجب المتظرفين في وضع أسئلة الامتحانات في الشهادات. ألن تسمعهم يقولون: «هبك وردة قطفها قاطف فماذا كنت تقول؟» ويقولون: «هبك فقيرا كسبت ورقة «يا نصيب» فماذا أنت فاعل؟»، وهبك وهبك إلى آخره، فقلت: إذا كان «البدع» بدع «هبك» المتسلطة على هذا الزمان، فقل مثلهم: هبك سخيفا تدرس درس فلسفة على لعب الورق. فماذا أنت قائل؟ قلت: أقول.

ثم تساءلت: هل أكتب كما يكتب التلميذ موضوع الإنشاء، فيبدؤه بجمل فخمة ضخمة عوده إياها مدرس الإنشاء، كأن أقول: «لا يخفى على الفطن اللبيب، واللوذعي الأريب، والنحرير الأديب» إلخ، أو أكتب كما يكتب مدرس الإنشاء على السبورة مما يسميه «عناصر الموضوع» فيكتب نقطا ويعددها بالأرقام؟ وأخيرا قلت: إن هذا وذاك لم يبلغ من السخافة الحد الذي أرتضيه، فلتكن سخافتك ابتكارا لا تقليدا، فقلت: إن لعب الورق يمثل القدر، فالقدر يعز من يشاء ويذل من يشاء بلا قيد ولا شرط؛ فمفرق الأوراق، كموزع الأرزاق، يعطي هذا أوراقه فتكون رابحة، وهذا أوراقه فتكون خاسرة، وهذا أوراقه فتكون بين بين. وقد يكون من أخذ الأوراق الرابحة أحق إنسان بالخاسرة، ومن أخذ الأوراق الخاسرة أحق إنسان بالرابحة! ولكنه القدر لا يسأل عما يفعل، ومفرق الأوراق لا يسأل عما يفعل!

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٥٢