م :
حرام عليك. ألم تنس ما كنا فيه من عمل عقلي مضن، فتريد أن تزيده ضنى وجهدا - حتى في الطريق - بمحاضرتك الفلسفية؟ ولا تنس «كانت» وفلسفته، وإذا تركتك استرسلت إلى شوبنهور وشيلر ولسنج، وأتيت على البقية الباقية من رأسي وعقلي. ارحمني يرحمك الله، وتكلم في حديث خفيف يدخل السرور علينا ويذهب بعنائنا، ولأبرهن لك على صدقي في قولي بقبول ما اقترحت وتنفيذ ما أردت، من غير حاجة إلى محاضرة عن «كانت» وأشباهه. فنذهب إلى المطعم الوطني. •••
محل لطيف ورائحة شواء تدخل الخياشيم فيجري لها الريق وتتفتح الشهية، ورنين أشواك وملاعق، ومنظر أكلة يبشر بأنهما سيلعبان هذا الدور قريبا.
يا غلام! هيئ لنا مكانا منفردا وإن غلا ثمنه، وأكثر لنا من الكوامخ من كل صنف، طحينة، ولبن، ومخللات، وابعث لنا برئيسك سريعا.
وفي لحظة واحدة تم كل ذلك، فهيئ المكان وأعد إعدادا حسنا، وصفت عليه الأطباق والشوكات والسكاكين والملاعق وإبريق الماء النظيف الرائق، تسطع عليه الشمس فيلمع كالدر، وامتلأت المائدة بالكوامخ، وإن تظرفت فقل: «السلطات» المختلفة، والعيش المقبب. وحضر سيد الخدم في سرعة عجيبة!
رطل ونصف من الكباب، ليس بالسمين، ولكن.
نعم.
بسرعة مدهشة تساوي سرعتك في سؤالنا.
خمس دقائق فقط وإن تأخرت فعشر، ولكن لا تزد فوراءنا عمل ينتظرنا، والساعة الآن الواحدة والنصف. «حاضر». في أقل من ذلك يحضر الطلب.
وأخذا يداعبان العيش المقبب والسلطة واستساغا الطعم فزادا، وحلا الحديث فتحدثا، وراعى (ح) صديقه (م) فلم يتحدث في الفلسفة، وكلما انحدر إليها من غير شعور تنبه إلى قول صاحبه فعدل، وتخلل الحديث فكاهات ظريفة استثارت الضحك العميق، حتى خيل إليهما أن لو حضر لهما خروف مشوي لا رطل ونصف لأتيا عليه.
ودخلا في الحديث من باب إلى باب، والضحك يتتابع و«السلطة» والخبز يضؤلان. وإذا بالحديث يدور حول الغضب وأسبابه ونتائجه، وإذا بالسيد (ح) يقول: ألاحظ أن المصريين سريعو الغضب، فهم يغضبون من أقل شيء ومن لا شيء! ثم إذا غضبوا لم يقفوا عند حد؛ فشبانهم إذا غضبوا حطموا ودمروا، وصغارهم إذا غضبوا صاحوا بكل ما يستطيعون من قوة، وضربوا الأرض بأرجلهم، وقد يضربون الحائط برءوسهم، وشيوخهم إذا غضبوا أفسدوا عملهم وأضاعوا صداقتهم، ولم يفرقوا بين العمل العام والعلاقات الشخصية، ولا أدري أذلك ناشئ من حرارة جوهم وطبيعة مزاجهم، أم هو يرجع إلى التربية! فإني أرى أن البلاد الباردة يغلب عليها ضبط العاطفة وقلة الانفعال، فهل هذا كسبوه من برودة البلاد أو من تعويدهم أطفالهم ألا يبالغوا في الانفعال؟ لقد حدثت عن مدرس إنجليزي أراد طلبته أن يغيظوه، فوضعوا له حذاء باليا على مكتبه، وظنوا أنه يهيج لذلك ويخبط ويضرب، ويجري تحقيقا دقيقا فيمن دبر هذه المكيدة، ومن وضع الحذاء، ونحو ذلك من أسئلة لا تنتهي، فما إن دخل المدرس الفصل ورأى الحذاء على مكتبه حتى أخذه بيده ووضعه على الأرض، وقال: «تحدثت إليكم في الدرس الماضي عن كذا» واستمر في درسه، فصفق الطلبة إعجابا بمسلك أستاذهم وضبط عواطفه! ولو حدثت هذه الحادثة في مصر لمدرس مصري لانقلبت السماء على الأرض، وقامت لها المدرسة وقعدت، ولشغلت المدرسة أسابيع، وقد تشغل وزارة المعارف أيضا!
م :
لا تنس أنك قد عدت إلى الفلسفة والمحاضرة مرة أخرى.
ح :
لا تؤاخذني يا أخي، فإني لم أستطع أن أغير طبعي، ولكن اسمح لي أن أكمل حديثي في كلمة قصيرة. إنا قادمون على عمل جليل، وقد رأيت أن أكثر الأعمال في مصر تخفق من سرعة الغضب، فتعال معي نضع صيغة «عهد وثيق» نقسم بها ألا نغضب أبدا، وإذا غضبنا لم يؤثر ذلك في عملنا.
م :
الساعة الآن الثانية والنصف، وقد مضت ساعة ولم يحضر الأكل، وقد كدنا نشبع من «السلطة».