تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأهم فرق بين الفتحين أن مدنية الإسلام كانت تنظر إلى العالم الإسلامي كله كوحدة، خير الجزء خير الكل، وشر الجزء شر الكل، والمدنية الحديثة تنظر إلى العالم من خلال القومية؛ فخير تونس والجزائر ومراكش وسوريا لفرنسا لا لهذه البلاد، وخير طرابلس لإيطاليا لا لطرابلس، وخير الهند لإنجلترا لا للهند، وهكذا جريا على الأسلوب الحديث في النزعة الوطنية؛ ولهذا نعم الشرق في حكم العرب، ولم ينعم الشرق في حكم أوروبا، ولا يمكن أن ينعم هؤلاء ولا هؤلاء إلا بإحلال الإنسانية محل الوطنية، ودون ذلك أهوال.

ثم ما الذي كان يمنع العرب من استكشاف أمريكا، ورحالوهم كابن جبير وابن بطوطة لم يكن يدانيهم أحد من رحال الغرب في عصرهم؟ على أن فكرة استكشاف أمريكا إنما دعا إليها، وحث على تحقيقها، نظرة كروية الأرض التي أثبتها جغرافيو العرب، وبرهن عليها فلكيو العرب. •••

أخشى أن يكون «الكاتب الفاضل» قد استحضر في ذهنه عند كتابة المقال صورة العالم الإسلامي الحاضر، ولم يستحضر العالم الإسلامي الغابر، فرأى ما عليه المسلمون اليوم من فقر عقلي، وفقر مالي. فأشفق على أوروبا أن يحكمها هؤلاء فيقلبوا غناها فقرا وعلمها جهلا وقوتها ضعفا، وفاته أنه يتكلم عن «عبد الرحمن» وعن جنود «عبد الرحمن» وهؤلاء كانوا أقوياء في غير ضعف، أغنياء في غير فقر، علماء في غير جهل، وقد مرنت عقولهم في غير جمود، وطلبوا الخير للعالم من غير قيود، فهل يعيد التاريخ نفسه؟

| عهد وثيق

التقيا في الصباح على ميعاد؛ لينجزا عملا سريعا لم يستطيعا أن يعملاه أثناء الأسبوع لكثرة شواغلهما، وتوزع جهودهما، فهما أيام العمل كالحصان، قد شدت يداه ورجلاه، بل وشعره، بحبال وخيوط تجذبه إلى جهات مختلفة متناقضة، يمينا ويسارا وأماما وخلفا، فهو لا يستطيع أن يقطع شوطه ويبلغ مداه.

فليكن يوم الجمعة الخالي من أعباء «الوظيفة» المخصص للراحة، هو يوم إنجاز العمل المتأخر الذي لا بد أن يكون.

بدآ في الصباح، ولذهما العمل وطاب، واستغرقا فيه، فلم يشعرا بوجودهما ولا بزمانهما ولا بمكانهما، ولا بأي شيء حولهما. وأفاقا كأنهما كانا في حلم لذيذ، فإذا أرجلهما مثلوجة من رطوبة المكان، وبطونهما خاوية من تفاهة الإفطار، وعقولهما مجهدة من كثرة العمل. والتفتا لما عملا وما بقي، فوجدا أن لم يتم من العمل إلا نصفه أو أنقص منه قليلا.

إذا فلنشحذ عزائمنا، ولا نفترق حتى يتم عملنا، ولنتكلم في التليفون ألا ينتظرونا في الغداء، ولنأخذ غداءنا في مطعم قريب نستريح بعده قليلا، ثم نستأنف العمل حتى يتم، ولننم بعد ذلك في راحة ضمير وعناء جسم، فذلك خير من أن ننام في راحة جسم وعناء ضمير.

م :

هيا بنا!

ح :

إلى أين؟

م :

إلى مطعم «الكرسال».

ح :

يا أخي، طالما انتقدتك على هذه النزعة الغريبة عندك! تفضل المصنع الأجنبي، والمقهى الأجنبي، والمطعم الأجنبي، وكل شيء أجنبي كأنك أجنبي، وفي هذا خطر على مال الوطني وجهد الوطني ونتاج الوطني! إن «كانت» الفيلسوف الألماني وضع قاعدة أخلاقية لطيفة نتعرف بها صلاحية الشيء وفساده، فقال: «إذا أردت أن تعرف شيئا صالحا أو فاسدا فعممه»، فإذا أردت أن تكذب فافرض أن الناس كلهم يكذبون، فهل تبقى أمة على الكذب العام؟ يكذب كل رئيس فيها على كل مرءوس، وكل مرءوس على كل رئيس في كل ما يقول، وتكذب الزوجة على زوجها والزوج على زوجته، والآباء على أبنائهم في كل ما يقولون. فإن نحن طبقنا هذه النظرية تبين فساد نظرك في جلاء ووضوح؛ فلو أن كل مصري أراد أن يشتري شيئا أو يبيع شيئا أو يأكل شيئا أو يلبس شيئا، استقضاه من الأجنبي، ما بقي في مصر مطعم وطني ولا مقهى ولا دكان. وأين أنت ومطعم فلان الوطني؟: قصر منيف تحول إلى مطعم وطني فاخر نظيف، صاحبه مصري وخادمه مصري، ولحمه مصري وطهيه مصري. إن طلبت اللذة فهو ألذ من الكورسال، وإن طلبت النظافة والإتقان فكذلك، وإن أردت نفع المصري فهذا وجهه.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٥٠