لقد نسي الغرب تاريخه إزاء الشرق، ونسي الشرق تاريخه إزاء الغرب، ولم ينظر كلاهما إلا إلى حاضره؛ فزهي الأول وتعاظم، وذل الآخر واستكان، وجهل كل أن الشرق كان يتقدم الغرب في السباق، إلى القرن الخامس عشر؛ ولولا نكبة العنصر المغولي والعنصر الآري الذي يفخر به الكاتب لظل الشرق في طريقه وفي تقدمه، لولا مصيبة التتار التي أتت على خير للمسلمين وأضعفت قوتهم وأذلت نفوسهم، ولولا حكم الأتراك للشرق وما جر من فساد وفوضى واضطراب، ولولا جناية الغرب على الشرق بما جرعته من غصص وما سلكت معه من منهج يتلخص في إضعافه عقليا وروحيا، واستغلاله ماديا، لولا ذلك كله لتقدم الشرق بخطواته الواسعة، ولكان ذلك من خيره وخير العالم. إذا، لكان للعالم مدنيتان تتسابقان في البناء: مدنية أساسها الإسلام والروحية الشرقية والعقلية الشرقية، ومدنية أساسها المسيحية والعقلية الغربية، ولانعدم الاحتكار وما يجر من أضرار، وما يفقد من تنافس. •••
بل يخيل إلي أنه لو انتصر المسلمون لكانوا أسرع خطى إلى المدنية؛ فقد عاقت نهضة أوروبا عوائق ليست عند المسلمين، لقد عاقها قرونا طويلة سلطة الكنيسة وحجرها على العقول والآراء، وتدخلها في كل شأن من شئون الحياة بقوة وعنف، والإسلام لا يعرف سلطة لرجال الدين، ولا يقر بوساطة بين العبد وربه. وعاق أوروبا نظام الطبقات وسلطة الأشراف والنبلاء، والإسلام لا يعرف هذا النظام، ويقرر أن المسلمين سواء تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم. ولم تتخلص أوروبا من هذه العوائق وأمثالها إلا بعد جهد جهيد، وأنهار من دماء، وجسور من رءوس.
فلما خلصت أوروبا من هذه العوائق أو كادت، اخترعت «الوطنية» فكانت مصيبتها الكبرى وعلتها العظمى، أشعلت نار القومية، وجعلتها أساس التربية وأساس الاقتصاد، وتسابقت الأمم في الوطنية فتسابقت في التسلح، فما تنقضي حرب حتى يبدأ الاستعداد لحرب شر من الأولى. وهكذا ظلت المدنية الأوروبية التي يغار عليها الكاتب بين حرب واستعداد للحرب، وأفراد من كل أمة تتحكم في مصير الشعوب، وتطيح برءوسها، وتفرض الضرائب الفادحة لتنشئ بها أساطيل وقنابل وغازات وطائرات وغواصات ومدرعات، لتتعاون كلها على حصد الأرواح حصدا، وتحرم الأب من أبنائه والأبناء من آبائهم، ومن نجا من القتل وقع في أسر البؤس والحزن والهم. والعلم الذي اخترع لخدمة الإنسانية، استخدم لإفناء الإنسانية؛ وهذه خلاصة المدنية، وهذا ما جلبته الدعوة إلى الوطنية. •••
لقد فتح المسلمون الأولون فارس والشام ومصر والأندلس وغيرها، فلم يفقدوها شخصيتها، ولا حرموها علما ولا ثقافة، ولا سلبوها حريتها؛ ومن أسلم فالعالم الإسلامي كله له، ومن لم يسلم ودفع الجزية فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم، وظلت هذه البلاد المفتوحة كلها تشترك في بناء المدنية الإسلامية على قدم المساواة؛ فعلماء فرس وعلماء شاميون وعلماء مصريون، وفنانون من كل صنف، وممسكون بزمام الحكم من كل قطر؛ ولكن لما فتح الغرب الشرق حرمه العلم إلا بحساب وفي حدود معينة، ومنعوا أهله حرية القول والتفكير وحمل السلاح إلا بمعيار ضيق، وأخصبوا أرضهم وأجدبوا عقولهم؛ لأن أرض الشرق للغرب وعقل الشرق على الغرب؟ فلو فتح المسلمون أوروبا - كما توقع الكاتب - لحفظوا لأوروبا شخصيتها وأوسعوا في علمها وثقافتها، وتركوا لها حريتها في أكثر شئونها، ولم يمنعوا نبوغ من استعد للنبوغ، ولا حجروا على عقل ولا تفكير، ولا كانوا يستغلون أرض أوروبا للشرق، إنما كانوا يستغلون الشرق والغرب للشرق والغرب. ودليلنا على ذلك أن جميع البلاد التي فتحها المسلمون الأولون ظلت زاهية مزدهرة بعد فتحهم بأحسن مما كانت قبل فتحهم، وأن الشرق كاد يموت بعد أن فتحه الغرب لولا لطف الله وبقية من مناعة الفتح الأول.