شاعرنا اليوم كان من هذه الطبقة، فتى، غني، من ثقيف، من الطائف، شجاع، كريم، يكثر الشراب، ويتلف المال ويحتفظ بالمروءة ويقول:
لا تسألي الناس عن مالي وكثرته
وسائلي الناس عن حزمي وعن خلقي
القوم أعلم أني من سراتهم
إذا تطيش يد الرعديدة الفرق
2
قد أركب الهول مسدولا عساكره
وأكتم السر فيه ضربة العنق
عف المطالب عما لست نائله
وإن ظلمت شديد الحقد والحنق
وقد أجود وما مالي بذي فنع
3
وقد أكر وراء المجحر البرق
4
سيكثر المال يوما بعد قلته
ويكتسى العود بعد الجدب بالورق
وظلت ثقيف على جاهليتها لا تذعن لدعوة الإسلام حتى أسلم من حولها ورأت نفسها بمعزل، فاضطرت إلى الإسلام في السنة التاسعة للهجرة. وسمع شاعرنا بالإسلام وتعاليمه فوقف حائرا؛ إن الإسلام يدعو إلى المروءة، وهو ذو مروءة، والإسلام يدعو إلى الصدق ومكارم الأخلاق، وكل هذا حسن «فليسلم»، ولكنه يأمر المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم، ولا يمدوا أعينهم إلى نساء غيرهم، كما ينهى عن الخمر ويعاقب على شربها؛ فكيف يسلم وقد ألف الغزل ؟ وكيف يهجر الخمر ولا حياة له بغير الخمر؟ وقف قليلا ولكنه أسلم مع قومه وفوض إلى الله أمره؛ ولم نسمع عنه في حياة رسول الله وأبي بكر شيئا، ولكنا نراه اصطدم مع عمر وهو الشديد في الحق لا تأخذه فيه هوادة؛ فعاد شاعرنا يتغزل ويشرب، يرى امرأة من الأنصار تسمى «الشموس» فيحبها ويحاول رؤيتها بكل حيلة فلا يستطيع، فيؤجر نفسه ويعمل في حائط يبنى بجانب منزلها، ويطل عليها من كوة البستان ويقول:
ولقد نظرت إلى الشموس ودونها
حرج من الرحمن غير قليل
ويشرب ويقول الشعر في الخمر:
إن كانت الخمر قد عزت وقد منعت
وحال من دونها الإسلام والحرج
فقد أباكرها صرفا وأمزجها
ريا وأطرب أحيانا وأمتزج
فيحده عمر حد الشراب، فيفكر شاعرنا ويطيل التفكير: هل يترك الغزل والخمر؟ - لقد كان ذلك قبل الحد أما بعده فلا. إن من العار أن يتحدث الناس أني تركت الخمر خوفا من العقوبة وأنا الأبي الشجاع الذي لا يعبأ بالحياة - إذا فلأشرب وليحدني عمر - وفعلا شرب فحد، وشرب فحد، وبلغ ذلك سبع مرات أو ثمانيا، وهو لا يزال على رأيه، مصمم على تفكيره، ماض في غزله وشربه، حتى يئس عمر من علاجه وضاق به ذرعا، فقرر أن ينفيه في جزيرة كانت تنفي فيها العرب في الجاهلية خلعاءها، وبعث معه حرسيا يحافظ عليه حتى لا يهرب، وأوصاه ألا يأخذ سجينه سيفا معه؛ وقد عرف عمر كيف ينتقم، فلم يألم شاعرنا من شيء ألمه من هذا الرأي - سيكون في جزيرة وحده لا غزل ولا شراب؛ ولكن ليس هذا ما آلم نفسه وأدمى قلبه، إنما آلمه أن يعيش عيشة الضعفاء المساكين والرجال في غزوات الحرب يقتلون ويقتلون، وأن يعيش عيشة النساء في خدورهن وهو الفارس الكمي. لا. لا. الموت أهون من هذا.
تظاهر شاعرنا بأنه يحمل غرارتين ملئتا دقيقا، وعمد إلى سيفه فجعل نصله في غرارة، وجفنه في غرارة، ودفنهما في الدقيق؛ حتى إذا جاوز هو والحرسي المدينة ولقيا من سفرهما هذا نصبا جلسا للغذاء، فقام شاعرنا يوهم أنه يخرج دقيقا فأخرج سيفه ووثب على الحرسي فخرج يعدو على بعيره راجعا إلى المدينة، وظل صاحبنا وحده. الآن، لا أعود إلى المدينة وفيها عمر، ولا أطوف في البلاد ألهو فلست بعد اليوم لاهيا، ولكن إلى حيث يحيا الرجال والفرسان حياة النجدة والشهامة - إلى مواقع الغزوات، إلى أشدها هولا، وأصعبها مراسا، إلى «القادسية» حيث المواقع الفاصلة بين سيادة العرب وسيادة الفرس.
ولكن عمر الساهر على كل شيء في مملكته، لم يخف عليه أمر شاعرنا، فعرف أين توجه؛ فما وصل إلى القادسية إلا وقد سبقه كتاب عمر يأمر سعد بن أبي وقاص بحبسه، ففعل ذلك وحبسه في قصره وقيده؛ فمشى يرسف في قيوده ويستعطف سعدا أن يطلقه فيأبى؛ فذهب إلى سلمى زوج سعد وقال لها: هل لك إلي خير؟ قالت: وما ذاك؟ قال: تخلين عني وتعيرينني البلقاء (فرس سعد) فلله علي إن سلمني الله أن أرجع إليك حتى تضعي رجلي في قيدي. فأبت، فقام ثائرا حزينا، يرى القتال على الباب وهو يرسف في القيد، وانطلق لسانه بهذه الأبيات: