تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولكن الهنود يعرضون ذلك باللغة الإنجليزية، فلا يغذون جمهورنا، ولا يسدون حاجة العالم العربي؛ إنما يتغذى الشرق بهذا يوم توجد هذه الحلقة المفقودة في العالم العربي كمصر والشام، فتحيي آثار الأولين بأسلوب الآخرين، ويوم يكسر هذا الحاجز الذي يحجز بين علم الشرق وعلم الغرب، ويوم يلوى الخطان المتوازيان فيلتقيان.

| شاعر

شاعرنا اليوم نشأ جاهليا، ونشأ في الطائف. والطائف مدينة في الجنوب الشرقي من مكة، تبعد عنها خمسة وسبعين ميلا، اشتهرت بطيب هوائها وجودة مزارعها. وقد اعتاد المترفون من العرب أن يقضوا الصيف بها، والشتاء بمكة. قال النميري يصف أخت الحجاج بالنعمة:

تشتو بمكة نعمة

ومصيفها بالطائف

أخصبت أرضها، وجرى الماء في وديانها، فكثرت مزارعها، وجادت فواكهها. بها جبل يقال له: «غزوان» كثرت كرومه، وكان عنبه العذب وزبيبه الحلو مضرب المثل جودة وكثرة، حتى ليروون أن سليمان بن عبد الملك لما حج رأى بيادر الزبيب فظنها حرارا

1 .

وقد حسدهم العرب على ما هم فيه من نعمة، فسوروا بلدتهم وحصنوها من أعدائهم، فصارت ملجأ الهارب وملاذ الخائف، وضرب المثل بمناعتها حتى قال القائل:

منعنا أرضنا من كل حي

كما امتنعت بطائفها ثقيف

كان يسكن الطائف قبيلة ثقيف، وقد أكسبتهم أرضهم وثروتهم وطبيعة بلادهم وجوهم رقيا في الحياة من الناحيتين الاجتماعية والعقلية، فاقوا فيهما من حولهم من السكان، وشعروا بعظمتهم فأكثروا من الفخر بأنفسهم؛ وقال قائلهم:

وقد علمت قبائل جذم قيس

وليس ذوو الجهالة كالعليم

بأنا نصبح الأعداء قدما

سجال الموت بالكأس الوخيم

وأنا نبتنى شرف المعالي

وننعش عثرة المولى العديم

وأنا لم نزل لجأ وكهفا

كذاك الكهل منا والفطيم

وقد أنجبت ثقيف شعراء مجيدين في الجاهلية والإسلام، كما أنجبت سلسلة وقادة نبه ذكرهم، وعظم أمرهم، فاشتهر منها من شعراء الجاهلية الشاعر المتأله أمية بن أبي الصلت، وفي العصر الأموي الشاعر الشريف طريح الثقفي، والشاعر الحكيم الأجرد الثقفي - واشتهر من أمرائها وساستها وقادتها الأمير القوي الحجاج بن يوسف الثقفي، والقائد الشاب محمد بن القاسم الثقفي فاتح السند ولم يكتمل العشرين، والذي قال فيه القائل:

ساس الجيوش لسبع عشرة حجة

يا قرب ذلك سؤددا من مولد

كما أن ثروتهم وحضارتهم استتبعت شهرتهم بالفجور والربا، حتى إن رسول الله لما صالحهم كان من شروط الصلح أن يسلموا وألا يزنوا ولا يربوا.

كذلك كانت كثرة العنب والزبيب في بلادهم سببا في شيوع الخمر بينهم وولوع أهلها بشربها.

وقد كانت الخمر شائعة بين العرب في الجاهلية، ولكن بين خاصتهم لا بين عامتهم، إذ إن عامتهم قد عدموا القوت وحرموا ضرورات العيش. أما المترفون فشربوا كثيرا وقالوا في شربها كثيرا. وقل أن نجد شاعرا جاهليا لم يتمدح بشربها وإتلاف ماله في سبيلها.

وكانت الخمر تأتيهم من الشام ومن اليمن ومن الطائف، وكان الأعشى الشاعر يتجر فيها، وكان له بقرية في اليمن يقال لها: «أثافت» معصرة يعصر فيها ما يقدم له من أعناب.

ونلاحظ من تاريخ العرب في الجاهلية وتراجم رجالها أن قد كان هناك طبقة من الشباب اعتادت أن تتلف مالها في الشراب؛ هم فئة من أولاد السراة، نشأوا في ثروة وجاه، وألفت بينهم وحدة النزعة، يجتمعون في المواسم والأعياد والمناسبات فينحرون الجزور ويهيأ لهم، ويشربون عليه وتغنيهم القيان والموالي من الفرس والروم والأحباش؛ ولكن هذه الطبقة لم تفقد مع شربها ولهوها شرفها وإباءها؛ فهي مع ذلك كله نبيلة كل النبل، شريفة كل الشرف - ثارت على كل شيء إلا قانون المروءة، وقانون المروءة يتلخص في الشجاعة والكرم. لا يعبأون بالحياة يبذلونها - في سخاء - لإنجاد من استنجد بهم، ونصرة الضعيف يستصرخهم ويلجأ إليهم؛ لا قيمة لحياتهم إذا مست كرامتهم أو كرامة قبيلتهم أو اعتدى أحد على جارهم أو حليفهم أو عبدهم، ولا قيمة للمال يوم يسألهم سائل أو يدعوهم لبذله داع، ولا بأس بالفقر يحل بهم وينزل بساحتهم، ولا ضرر إذا خسروا المال وكسبوا الشرف؛ وويل لزوجاتهم إذا لمنهم في الاستهتار بالحياة أو إتلاف المال، إذ ذاك يصبون عليهن نقمتهم، ويملأون الدنيا شعرا في لومهن وتأنيبهن.

فيض الخاطر (الجزء الأول) · الصفحة ١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

فيض الخاطر (الجزء الأول)ص ١٤